الاربعـاء 20 صفـر 1424 هـ 23 ابريل 2003 العدد 8912
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عضو في «فدائيي صدام» يعترف: كنا نقطع رؤوس المعارضين ونجلبها الى مكتب عدي مثلما يأمر

علي تحدث عن أساليب التعذيب وقال: كنا نتوجه الى الهدف بعشر صور مختلفة له ونصور عملية القتل وعدي لا يزال يحتفظ بالأشرطة

بغداد: بيتر بيكر *
جثا علي على ركبتيه وشرح كيف كان الامر يتم: وضع يديه خلف ظهره ليشير الى تقييد حركته ثم طأطأ رأسه واغمض عينيه وكأنهما معصوبتان. وفي نفس الوقت اقترب صديق له من رأسه ليرفعه مقلدا ما يحدث بعد ذلك، حيث يقوم شخص ثالث بفتح فم الضحية عنوة ويجذب لسانه ثم يجزه بسكينة او بآلة حادة.

روايات مشابهة حول اعمال التعذيب خرجت من العراق خلال الاسبوعين الماضيين منذ اطاحة نظام صدام حسين. لكن علي لم يكن احد اولئك الذين قطعت السنتهم، بل انه، كما قال، كان واحدا ممن نفذوا عمليات قطع الالسنة.

كان علي عنصرا من «فدائيي صدام»، وهي مجموعة من الميليشيات يشرف عليها عدي النجل الاكبر لصدام حسين. يتذكر علي كيف انه قام، خلال عدة سنوات من العقد الماضي، باغتيال شخصيات معارضة للنظام، وبتحطيم ظهور اولئك الذين اتهموا باخفاء الحقيقة عن الحكومة، وبقطع السنة البعض واصابعهم واياديهم، وفي احدى المرات رأس احدهم.

وقال علي: «لم يكن مهما ان نشعر بان الضحية كان مذنبا ام لا. فقد توجب علينا القيام بعملنا. اولئك كانوا معارضين لصدام حسين، وعندما نتلقى اوامر بمعاقبتهم، فاننا نذهب اليهم وننفذ المهمة. واذا قال عدي اقطعوا لسانه او يديه او اصابعه او رأسه، او اي شي، فاننا نفعل ذلك».

التأكد من صحة رواية علي قد يكون صعبا، لكنه لم يطلب مالاً ولم يبد انه كان يساوم كما لم يظهر انه سيحقق اي شيء عندما روى ما كان يفعله. وبناء على طلب صحافي، اصطحبنا الى منزل استخدمه «فدائيو صدام»، كما اكد ذلك الجيران، وعرض زيه الاسود الذي اعتاد الفدائيون ارتداءه، مكتملا مع قناع الوجه. طوال ذلك اليوم في العاصمة العراقية، لم تبد على علي، 26 عاما، علامات التبجح او الاسف. وقال: «كنت فقط اتبع التعليمات».

الكثير مما قاله علي يؤكد روايات ضحايا حكومة صدام حسين. وقد ابدى استعداده للحديث المفصل والاجابة عن الاسئلة بدون تردد. وقد رسم بدقة مؤلمة شارة «فدائيي صدام» التي كان ذات يوم يحملها لكنه قرر دفنها عندما اقتربت القوات الاميركية من بغداد، وقد تخلص منها مع اشياء اخرى بما فيها صورة كبيرة لصدام.

بعد لحظة تأمل لم يتورع علي عن الحديث في تفاصيل الوظيفة البشعة التي كان يشغلها. عند الالتقاء به عن طريق وسيط، بدت على علي الذي كان يتحدث بحضور عراقيين آخرين علامات الاضطراب، كما انه امتنع عن ذكر لقبه او اسم عائلته. لكنه لم يكترث كثيرا وهو يتجول في انحاء المدينة التي احتلتها الدبابات الاميركية.

وصف كيف انه كان يقوم بنقل رؤوس الضحايا المذبوحة الى اسرهم، كمسألة واقعية، كما يقول. ولما سئل عن شعوره وقد خدم حكومة قال انها كانت شريرة، هز علي كتفيه وقال «طبيعي» بلغة انجليزية، قبل ان يتحدث بالعربية قائلا: «كنت مرتاحا لذلك». بعد الضغط عليه فقط ابدى بعض المشاعر وقال: «اشعر بالاسف لكل ما حدث». قالها ببرود وبدون عواطف، مضيفا: «احاول تغيير حياتي والتصرف بشكل رحيم مع الناس».

ما قدمه علي لعدي صدام حسين، كما يتضح، كان المؤهلات المطلوبة من الفدائيين: الاخلاص والاستعداد للقيام بما يجب. كان تلميذا مراهقا عندما اتصل به شخص مكلف بالتجنيد. ولما كانت الدراسة قد انهكته فقد قرر التقدم للوظيفة. واوضح قائلا: «ذهبت الى مجموعة الفدائيين لانني لم ارغب في مواصلة الدراسة. كنت امقت الدراسة واردت الالتحاق بالجيش». لكن اجور الجيش ضعيفة والمكانة التي يحصل عليها من يعمل تحت امرة عدي كانت مغرية. واضاف علي: «كانت مجموعة الفدائيين مميزة وقد علمت ان عدي كان يهتم بهم بشكل حسن للغاية، ليس كما هو حال الجيش».

واوضح علي انه التحق بـ32 دورة تدريبية، بعضها استمرت قرابة شهر او اثنين، وغيرها استغرق عاما او اثنين، كما انه تعلم كل شيء من استخدام الاسلحة حتى فنون القتال اليدوي الى اللغة والسباحة. وقد استخدم الفدائيون مركزا للتدريب في منطقة الكريعات الواقعة في ضاحية شمالية لبغداد، كما قال، وتلك حقيقة اكدها مسؤولو الجيش الاميركي الذين سيطروا على الموقع.

قال علي انه بحلول عام 1996، اختير ليكون واحدا من 18 عضوا في مجموعة من الفدائيين تدعى «الطاقم» وتمثلت مهامها اساسا في العمليات الخاصة.

وفي نهاية المطاف كان يتقاضى 150 الف دينار عراقي (قرابة 70 دولاراً) شهريا، وهو راتب معقول في العراق، اضافة الى مكافآت مقابل تنفيذ بعض المهام. وهذه المكافآت تتراوح بين مئات الآلاف من الدنانير الى 3 او 4 ملايين، اعتمادا على نوعية المهام.

حياته كعضو في «فدائيي صدام» جعلته رجلا مميزا في بغداد، فالشارة التي كان يحملها فتحت له جميع الابواب تقريبا. وقال: «كانوا يحترمونني للغاية. كنت قادرا على الذهاب الى اي مكان اردت الذهاب اليه بشارتي. كنت قادرا على الذهاب لاي مكان يوجد فيه عدي او صدام، لانني احمل الشارة».

وعندما كان عدي يرغب في قتل شخص ما، كان يرسل علي ومجموعته مزودين بعشر صور فوتوغرافية للهدف، بشارب او بدون شارب، وبملابس وتسريحات شعر مختلفة، حسبما قال علي. تعرض عليهم معلومات بشأن اماكن وجوده، لكن لن يذكر لهم اسمه. ويتم تصوير العملية فوتوغرافيا او بالصوت والصورة (فيديو) لاثبات انها نفذت. وطبقا لما قاله علي، فان عدي يحتفظ بمجموعة من اشرطة التسجيل المصورة تلك.

وعند هذه اللحظة تذكر علي عملية اغتيال تم تنفيذها قبل 5 او 6 سنوات في مدينة كربلاء، حيث تلقت مجموعته امرا بقتل زعيم شيعي. وقال علي موضحا: «ذهبت لقتل شخص واحد، لكن فجأة وجدت ان لديه حراساً، ولذلك قتلت اربعة او خمسة من حراسه. وبعد ذلك قطعنا رأسه ووضعناه في حقيبة ثم توجهنا به الى بغداد من كربلاء عند الساعة الرابعة من صباح ذلك اليوم. وقد وضعناه امام مكتب عدي. فقد طلب منا احضار رأسه».

وفي واقعة اخرى، قبل ثلاثة او اربعة اعوام، اضاف علي، ان مجموعته تلقت امرا بالتخلص مما قيل لهم انهم مجموعة من مهربي عذارى العراق الى الخارج. وقد قتلوا 39 شخصا، كما اوضح، 24 امراة و15 رجلا.

اما العقوبات التي لا تصل الى حد الموت فكانت تنفذ طبقا لنظام محدد، كما قال علي. فاولئك الذين يسرقون تقطع اصابعهم واياديهم. والذين يكذبون، يلقى باحجار ثقيلة فوق ظهورهم، اما المخبرون الذين ينقلون معلومات غير صحيحة فتوضع مكاوي ساخنة في افواههم، والذين يتهربون من الجيش تقطع آذانهم، كما قال علي.

واشار علي الى ان احد اعضاء فرق الفدائيين تعرض لقطع لسانه لانه ردد مقارنة بعضهم ملابس عدي الفضفاضة بازياء النساء، فيما قطعت اصابع عضو آخر لانه امتنع عن تنفيذ امر ما.

قبل بداية الحرب، قال علي انه كان ضمن مجموعة تسللت الى الكويت لمراقبة القوات الاميركية. وما ان اندلعت الحرب حتى جاب مناطق الجنوب ملتقطا صورا فوتوغرافية تجسسية. وعندما اقتربت القوات الاميركية من بغداد، قال علي انه اشترك في قتال الاميركيين في الطرف الجنوبي للمدينة. واضاف: «انا واثق من انني قتلت العديد منهم».

لكن ما ان اشتد اقتراب الاميركيين، حتى تلقوا تعليمات من عدي، الذي تفقد موقعهم وانصرف بعيدا عنهم، بألا يسمحوا للعدو بدخول بغداد. وتلك كانت المرة الاخيرة التي رأى فيها عدي، كما قال علي، الذي اضاف ان الامر لم يستغرق وقتا طويلا لادراك ان الامل مفقود، وهو ما دفع قائد المجموعة للتوجيه بعودة الجميع الى منازلهم.

وقد انصهر علي في مجتمع بغداد، بطريقة يصعب على قوات الاحتلال الاميركية التعرف عليه، وها هو يفكر في ما سيفعل. قال انه يشعر بالسعادة لذهاب عدي وصدام. واضاف: «كان عدي رجلا سيئا وغبيا ولن افتقده، كما انني لا اريد رؤيته مرة اخرى». وعندما سألناه ما اذا كان سيفتقد صدام؟ اجاب: «ابداً».

وقال علي انه وافق على سرد قصته «ليشعر بمزيد من الارتياح» مع نفسه. واضاف: «لا بد من افشاء السر. كل شيء اخبرتكم به لا يعلم به احد، لا زوجتي ولا عائلتي».

زوجة علي حامل بطفهلما الاول، الذي قد يولد خلال شهر او ما يقاربه. بدأ علي بالمواظبة على الصلاة في الآونة الاخيرة، وقال: «ادعو الله كي يرزقني ولدا طيبا. وآمل ألا يكتشف ما كنت افعله. كما آمل ان يتسني لي تعليمه كل شيء صحيح وان تكون حياته طبيعية. اذا كنت قد آذيت او قتلت اي شخص من قبل، فانني ادعو الله ان يسامحني».

* خدمة «واشنطن بوست» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال