الاحـد 07 ربيـع الثانـى 1424 هـ 8 يونيو 2003 العدد 8958
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ساحة الفردوس أصبحت رمز سقوط نظام صدام وتحولت اليوم إلى أكبر مركز لتبديل العملات في بغداد

بغداد: عدنان حسين
لم تكن هذه هي المرة الاولى التي تدخل فيها هذه الساحة بقوة تاريخ العراق المعاصر، ففي الماضي ايضاً كان لها شأن مع مؤسس الدولة العراقية الحديثة الملك فيصل الاول، ثم مع مؤسس النظام الجمهوري عبد الكريم قاسم.

لكن اسم ساحة الفردوس في وسط العاصمة بغداد، كما تاريخ التاسع من ابريل (نيسان) 2003، ينحصر عميقاً في الذاكرة العراقية ويرسخ فيها مثلما رسخت رموز الكتابة السومرية على الالواح الطينية والمنحوتات الاشورية على صخور نينوى. فمن هذه الساحة انطلق الاعلان المدوي بان نظام الرئيس المخلوع صدام حسين قد انتهى بعد حقبة امتدت ربع قرن وكانت الاكثر وطأة على العراق والعراقيين، وذلك عندما اسقط اكبر تمثال لصدام قبل مرور عام على اقامته.

وخلال الاسابيع الاولى بعد ذلك الحدث تحولت الساحة المدورة الى نافذة يطل منها العالم على العراقيين، الذين عاشوا عزلة طويلة اصبحت كاملة شاملة في المرحلة النهائية من الحرب الاخيرة، فالى هذه الساحة كان المئات من العراقيين، وما زالوا، يتدفقون ليعلنوا ما يريدون امام اجهزة الاعلام العربية والدولية التي احتشد مندوبوها في فندقي فلسطين (ميريديان) وعشتار (شيراتون).

كانت الساحة في اوائل القرن الماضي، كما يقول البغداديون القدامى، حديقة صغيرة تقلصت مساحتها عندما احيطت بطريق دائرية تلتقي عندها الشوارع الحديثة التي اخترقت احياء السعدون والعلوية والاندلس. الحديث المهم الاخر الذي شهدته الساحة بدأ في عقد الاربعينات عندما وضعت الدولة على الجانب الشرقي منها الحجر الاساسي لجامع يخلد اسم الملك فيصل الاول، الذي كان قد توفي قبل ذلك بعشر سنوات. ولم يكتمل بناء الجامع الا في عام 1959، حسبما افاد لـ«الشرق الأوسط» امام الجامع الشيخ محمد صالح العبيدي، 73 عاماً.

الحدث التالي كان اكثر اهمية فقدت فيه ساحة الفردوس اسمها وراحت تعرف باسم جديد، فعبد الكريم قاسم الذي قاد ثورة 14 تموز ،1958 اختار الساحة لاقامة نصب يكرم الشهداء، وبخاصة العسكريين. وفي عام 1959 رعى قاسم احتفالاً مزدوجاً في الجامع باكتمال وافتتاح الجامع ونصب الجندي المجهول الذي كان يعد اول نصب من نوعه في العالم العربي.

يقول الشيخ العبيدي، ان قاسم اقترح في الخطبة التي القاها بالمناسبة تسمية الجامع باسم «جامع الشهيد.. فصفق له الحضور».

وحتى الثمانينات كان رؤساء الدول والحكومات الذين يزرون بغداد رسمياً يتوجهون الى النصب لاداء التحية ووضع اكاليل الزهور عند النصب الذي انشئ من الاسمنت المسلح المغطى بالمرمر الازرق. وفي نهاية الثمانينات اقام الرئيس المخلوع صدام حسين ساحة واسعة للاحتفالات في جانب الكرخ من بغداد توسطها نصب جديد لتخليد ذكرى قتلى الحرب العراقية ـ الايرانية (1980 ـ 1988). واقيم في الساحة نصب آخر ضخم على شكل يدين ـ هما يدا صدام نفسه ـ تحملان سيفين، فيما هدم نصب الجندي المجهول في جانب الرصافة.

اما الجامع المطل على الساحة فان التغيير طاله في وقت ابكر فبعد اطاحة قاسم في فبراير (شباط) 1963، في انقلاب دموي اطلق على الجامع اسم «جامع 14 رمضان» وهو اليوم الذي حدث فيه ذلك الانقلاب وفق التقويم الهجري. وصدرت اخيراً دعوات مختلفة لاعادة تسمية الجامع باسميه القديمين. فانصار قاسم يريدون اطلاق اسم «جامع الشهيد»، وانصار الملكية الدستورية الذين يقودهم الشريف علي بن الحسين يدعون الى اطلاق اسم «جامع الملك فيصل الاول» عليه والشيخ العبيدي من جانبه يفضل العودة الى الاسم الاخير باعتباره «الاصلي والتاريخي» حسبما قال.

وبعد سنوات من هدم نصب الجندي المجهول وعودة اسم «الفردوس» الى الساحة عاد صدام حسين الى الساحة، حيث اقيم تمثال له، هو اكبر تماثيله الموزعة على كل مدن العراق، وذلك في الذكرى الخامسة والستين لميلاده في العام الماضي. واحيط التمثال بقوس من الاعمدة بلغ عددها 37 عموداً، رمزاً لمولد صدام في عام 1937. وقد نقش في اعلى كل عمود حرفا «ص ح»، اشارة الى اسم: صدام حسين. وقد حول العراقيون هذا الرمز الى ما يشبه النكتة حينما يقولون ان حرفي «ص ح» هما مختصر للصمون (الخبز) الحار! وساحة الفردوس التي تحولت الآن الى اكبر مركز لتبديل العملات في بغداد حيث يقف العشرات من الصرافين خلف طاولات صغيرة صفت عليها رزم كبيرة للدينار العراقي، ما تزال تتغير، ففي التاسع والعشرين من الشهر الماضي اكملت مجموعة من الفنانين الشبان تعرف باسم «جماعة ناجين للثقافة والفنون» نصباً اقامته على قاعدة التمثال المنهار للرئيس العراقي المخلوع. واطلق على النصب المبني من الجبس الابيض المصبوغ باللون الزيتوني اسم «نصب الناجين» تخليداً للعراقيين الذين نجوا من الموت في عهد صدام.

ويعتقد كثير من العراقيين، وبخاصة المثقفين، ان ساحة الفردوس في عهدها الجديد تستحق نصباً غير هذا ينفذه احد نحاتي العراق الكبار لتخليد حدث التاسع من ابريل في هذه الساحة التي راح بعض العراقيين يسميها بـ«ساحة الحرية».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال