جهاز الأمن السوداني يعتقل محمد إبراهيم نقد زعيم الحزب الشيوعي ويطلق سراحه بعد ساعات

بعد 11 عاما من الملاحقات..

TT

بشكل مفاجئ ودرامي، القى جهاز الأمن السوداني في الخرطوم أمس، القبض على محمد ابراهيم نقد زعيم الحزب الشيوعي المتخفي عن انظار حكومة الرئيس البشير نحو 11 عاما، منتقلا من موقع الى آخر. وألقى القبض على نقد في الساعة الخامسة من مساء أمس، أثناء تخفيه في منزل بإحدى ضواحي الخرطوم. وأكد الحزب الشيوعي على لسان قيادى فيه تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن زعيمه الآن في قبضة قوات الأمن السودانية.

غير أن مصدرا موثوقا قال لـ«الشرق الأوسط» إن نقد شوهد يغادر المكان، الذي تم فيه التحفظ عليه. وغادر إلى منزله مطلق السراح. وحول الذي دار في التحقيق مع نقد قال المصدر إنه لم يكن تحقيقا بالمعنى المعهود لتحقيقات الأمن بقدر ما كان «دردشة» تبادل فيها مدير جهاز الأمن ومسؤولون آخرون الرأي مع «معتقلهم» عن موقف الحزب من قرار مجلس الأمن الأخير، الخاص بمحاكمة المتهمين في نزاع دارفور. وقال المصدر إن نقد قال لمحادثيه إن الحزب سيعلن رأيه للناس بعد دراسة القرار، وأبلغهم أنه كان، كما أعلن حزبه، بصدد ترك الاختفاء ولم ينتقل لذلك المنزل إلا توطئة لخطوة لاحقة كان سيعلن فيها انتهاء فترة اختفائه. ولم تتمكن «الشرق الأوسط» من الاتصال بمنزل أسرته الذي يفترض أن يكون قد بات فيه «علنا» للمرة الأولى منذ أكثر من 10 سنوات.

وحسب معلومات «الشرق الأوسط» في الخرطوم فإن القبض على نقد لم يتم عبر مداهمة، وإنما في شكل زيارة قام بها مدير جهاز الأمن ومرافقون له للمنزل، الذي يختفي فيه في ضاحية الفردوس الفاخرة جنوب الخرطوم.

وقالت مصادر أمنية للصحيفة، إنه بناء على معلومات أمنية منذ فترة حددت الأجهزة الأمنية مكان نقد البالغ من العمر 70 عاما، في المنزل المذكور، وظلت تراقبه من بعيد، ولكن أمس تم الكشف عنه عبر «زيارة من وفد من الجهاز، وليس عبر مداهمة، كما يتم بالصورة التقليدية»، على حد قول المصدر. وقال شهود عيان إن نقد بعد كشفه في مخبئه تحدث زهاء نصف الساعة، مع مدير جهاز الأمن والوفد المرافق له، واشار الى ان سكان الحي تجمعوا في المكان، وتوجه نقد بالحديث إليهم قائلا «انا محمد ابراهيم نقد».

وقال المركز السوداني للخدمات الصحافية (مركز اخباري حكومي)، ان اللوء مهندس صلاح عبد الله محمد المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، يرافقه اللواء محمد عطا نائب المدير العام، ومدير الادارة السياسية بالجهاز قاموا بزيارة تفقدية الى محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني بمقر اقامته بمنطقة الفردوس مربع 58. ونقل المركز عن مصدر مطلع قوله إن الزيارة جاءت بغرض التباحث حول موقف الحزب بعد القرار الأخير بخصوص دارفور، ودور الحزب في المرحلة المقبلة التي تتطلب تضافر الجهود الوطنية. وحسب المصدر فإن اللواء عبد لله اطمأن والوفد المرافق على صحة نقد، واكد المصدر استقرار حالته الصحية.

واعترف الدكتور فاروق كدودة باعتقال زعيم حزبه. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نقد «وجد في المنزل المذكور والقى القبض عليه». واضاف «ولكن الحزب لم يتسن له بعد الوصول اليه».

واختفى نقد عن انظار الأجهزة الأمنية وباشر عمله السياسي المعارض من تحت الأرض في الرابع من فبراير (شباط) عام 1994، بعد يومين فقط من لقاء مباشر تم بينه وبين الرئيس عمر البشير في منزل وزير الإعلام الحالي عبد الباسط سبدرات. وظل نقد يكتب من مخبئه، وأشهر ما كتبه مشروع لإعادة النظر في فلسفة ومنطلقات الحزب، كما كتب عن «علاقات الرق في المجتمع السوداني« و«علاقات الأرض وقوانينها»، وعلق في مؤلف مختصر على كتاب «النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية». وكتب مقالات نشرت في عدد من الصحف بالخارج وتداولتها الصحف بالداخل. ويعتبر اختفاء نقد الأخير هو الثاني في نوعه للرجل، حيث اختفى في اوائل السبعينات ابان عهد الرئيس السابق النميري ولم يظهر للعلن إلا بعد انتفاضة أبريل (نيسان) التي أطاحت نميري.

ومن جانبها تمكنت «الشرق الأوسط» مساء البارحة من الاتصال بنقد الذي أكد بنفسه إطلاق سراحه وكان وقتها في المنزل الذي «دوهم» فيه حسب تعبيره. وقال نقد إن ما حدث «مداهمة» وإنه الآن في المنزل الذي اعتقل فيه ولم تفرض عليه حراسة. وقال إنه سيتجه بعد ذلك إلى منزله.

وقال نقد لـ«الشرق الأوسط» إن مدير الأمن وفريقه أبلغوه أنه لم يكن مطلوبا القبض عليه. وعلق على ذلك بأن أجهزة الأمن تريد تأكيد ما قاله الرئيس البشير ونائبه بأن «نقد ليس مطلوبا». وذكر لـ «الشرق الأوسط» أنه رد على قول محادثيه بأنه «غير مطلوب» بـ«عندنا دائما تدابير قبل أن نخرج للعلن».

وقال نقد: «لم أعتقل لأن الاعتقالات ليست واردة هذه الأيام»، لكنه استدرك «الحقيقة هناك اعتقالات فناس الشعبي ما زالوا معتقلين ويعتقلون».

وحول تجربة الساعات التي قضاها مع مسؤولي الأمن بعد مداهمته أكد نقد ان حديثه إليهم لم يأخذ طابع التحقيق بأي شكل.