الاثنيـن 15 ربيـع الاول 1429 هـ 24 مارس 2008 العدد 10709
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

اللاجئون العراقيون في مصر يتحركون عائدين إلى العراق أو إلى «بلد ثالث»

يعانون من غلاء المعيشة ومشكلات صحية والإقامة غير القانونية

القاهرة: عبد الستار إبراهيم
في مدينة 6 أكتوبر، التي تبعد نحو 35 كيلومتراً غرب القاهرة، كان أطفال عراقيون يتصايحون بلهجات أهل بغداد والبصرة والنجف، وهم يتقاذفون الكرة بعد انتهاء اليوم الدراسي في مدارس خاصة مجاورة، وهم يختلفون عن آبائهم وأمهاتهم إلى حد كبير، إذ أنهم يتمتعون، على ما يبدو بهدوء بال، تاركين للكبار ترتيبات المستقبل، سواء في ما يتعلق باستمرار إقامتهم هنا، أو العودة إلى أصوات التفجيرات ورعب المداهمات في بلادهم المنقسمة على نفسها.

لكن الكبار أصابهم التعب من طول التنقل بين موانئ الترحال ومكاتب تجديد الإقامة.. فالعديد من اللاجئين العراقيين المقيمين في مصر، الذين يقل عددهم عن 30 ألفاً، بحسب مصادر قريبة من مصلحة الجوازات المصرية، فيما تقدر وزارة الخارجية المصرية عددهم بنحو 150 ألف عراقي، إضافة لخمسة آلاف آخرين مسجلين كلاجئين في مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، يعانون من أمراض نفسية خطيرة ومن حالات مرضية أخرى مرتبطة بالإجهاد، بما فيها أمراض القلب، وهذه الحالة المحزنة أكدتها أحلام طوبيا الطبيبة التي تعمل مع اللاجئين في القاهرة، في حديث لها عن أحوال هؤلاء المواطنين المغلوبين على أمرهم. وفي موقع قريب من الساحة الترابية التي تفصل بين أحياء الفقراء وأحياء الأثرياء بمدينة السادس من أكتوبر، إذ يركض الأطفال العراقيون فيها وراء كرة القدم، كان صفوان (وهو اسم مستعار للاجئ عراقي) يعمل في مخبز يملكه مصري.. قال صفوان وهو ينفض الطحين عن قميصه، متطلعاً لأولاد وطنه الذين يتطاير حولهم الغبار وهم يلهون بالكرة على مرمى البصر: «لم أتمكن من إلحاق ابني وابنتي بالمدرسة.. توجد مدارس خاصة لكنها تتقاضي مبالغ كبيرة.. من عشرة آلاف جنيه إلى عشرين ألفاً». ويزيد «كما إن لي ابنا آخر يدرس بالجامعة في الأردن».

وكان صفوان ينفق من مدخراته، حين وصل لمصر قبل سنتين، تاركاً مكتبه المتخصص في شحن البضائع ونقلها، في بغداد، على أمل أن تستقر الأوضاع في بلاده ويعود إليها قبل أن ينفد ما معه من مال (كان معه 15 ألف دولار، أي نحو 80 ألف جنيه مصري)، لكن نفقات السكن والمواصلات ومصاريف الدراسة لابنه الأكبر المقيم في الأردن، عجَّلت بإفلاسه، وهو ينتظر في قلق، من خلال عمله بدون ترخيص، مخالفة للقانون المصري، في مخبز بمدينة السادس من أكتوبر، أن تتوفر له سبل العودة إلى العراق، لكن حتى لو توفر ثمن السفر إلى بلاده فإن الأنباء التي تصله من هناك قد تغير رأيه ويضطر لارسال أطفاله إلى الأردن.

وصفوان محسوب على حزب البعث، رغم أنه يقول إن عمله المبكر في قيادة الشاحنات هو الذي قربه من قيادات في الحزب، حتى أصبح اسمه يقترن باسماء عدد منهم، وفرَّ من العراق حين تعرض للاستجواب عدة مرات للإدلاء بمعلومات عن بعثيين متوارين عن الأنظار منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويمكن أن تلتقي بلاجئين عراقيين من الأثرياء ومن ميسوري الحال أيضاً، في المدن الجديدة المحيطة بالعاصمة المصرية القاهرة، فبالإضافة إلى مدينة السادس من أكتوبر، التي يوجد فيها العراقيون بكثرة، هناك مدن الشيخ زايد (غرب) و15 مايو (جنوب) والعاشر من رمضان، والقاهرة الجديدة (شرق).. لكن بمرور الوقت بدأت مدخرات غالبية أولئك اللاجئين في النفاد.. وربما كان هذا أحد أسباب عودة كثير من العراقيين من مصر إلى ديارهم، مع أسباب أخرى منها الاستقرار الملحوظ هناك، بحسب ما أفادت به الناشطة الحقوقية العراقية، زينب السويج، في مقابلة أجرتها معها «الشرق الأوسط» أثناء عودتها، عبر القاهرة، من العراق للولايات المتحدة، حيث تقيم.

أسرة سلمى المكونة من الأب والأم وخمسة أشقاء، وصلت قبل عام ونصف العام إلى مصر، وكانت الأسرة تقيم في البداية بمدينة الشيخ زايد في شقة إيجارها الشهري 600 جنيه مصري، إضافة إلى الاعتماد على المحال التجارية الكبيرة في التزود بالسلع المستوردة باهظة الثمن، لكن بمرور الأيام بدأت الأموال تنفد؛ فالأب الذي يمتلك محلاً تجارياً في شارع الرشيد ببغداد، لم تعد لديه القدرة على سداد نفقة علاج ابنته الوسطى سلمى من تليف الكبد، وأخرج اخوتها من المدارس الخاصة التي التحقوا بها في البداية، ليبحث لهم عن مكان في مدارس التعليم الحكومية.

وبحسب الناطقة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عبير عطيفة، فإن العديد من اللاجئين المسجلين لدى المفوضية يعانون من أمراض مزمنة، وتقول عبير لشبكة إيرين الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، إن «التوتر الناتج عن وصول الأخبار السيئة من الديار، وعن نفاد الأموال، وانعدام فرص العمل والتعليم، تسبب في ارتفاع حالات الإصابة بأمراض القلب والسكري». لكن ما السبب الذي يجعل المشاكل الصحية الخطرة تصيب العراقيين دون غيرهم من اللاجئين السودانيين أو الصوماليين بمصر.. عطيفة أعربت عن اعتقادها بأن السبب يرجع إلى تعرضهم للإشعاعات التي خلفتها حرب العراق مع إيران وحرب الخليج الأولى سنة 1991، مشيرة إلى أن «الأمراض الخلقية لدى مجتمعات اللاجئين الاخرين نادرة جداً، إذ قد نجد إصابةً واحدة في كل 100 شخص، أما لدى اللاجئين العراقيين فإننا نجد إصابةً بين كل عشرة أشخاص». ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن من بين العراقيين الذين دخلوا مصر لم يُسجل لديها (لدى المفوضية) سوى 9932 لاجئا عراقيا حتى نهاية عام 2007، لكن الكاتب والمحلل السياسي العراقي علي الكليدار قال لـ«الشرق الأوسط»، إن كثيراً من العراقيين سافروا خارج مصر، إما أنهم عادوا إلى العراق أو إلى سورية أو الأردن بسبب غلاء المعيشة وانتهاء مدخراتهم، ورفض قبول أولادهم في المدارس الحكومية لعدم حصولهم على إقامة. وأضاف أن غالبية اللاجئين العراقيين المقيمين في مصر ليست معهم إقامات قانونية، وأن هذا يؤثر على الحالة النفسية لكل منهم، مشيرا إلى أنه قام ومعه باحث عراقي آخر بإجراء دراسة أظهرت أن عدد اللاجئين العراقيين في مصر يبلغ نحو 30 ألف عراقي. وقال الكليدار إن العديد من اللاجئين العراقيين هنا (في مصر) كانوا خلال الشهور الأخيرة يفكرون بشكل جدي في العودة إلى العراق أو المناطق الهادئة فيها على الأقل، لكن تدهور الحالة الأمنية هناك في الفترة الأخيرة، جعل غالبيتهم إما يفكر في الاستمرار في العيش بمصر، رغم سوء الظروف، والبعض الآخر يبحث عن دولة أقل في تكاليف المعيشة، وتسمح بإقامة اللاجئين. وعما إذا كان هناك استهداف للاجئين العراقيين في مصر، كمحاولة للضغط عليهم للعودة إلى بلادهم، قال الكليدار إن مصر بلد مضياف، لكن المشكلة التي يعاني منها غالبية المصريين، من ارتفاع في الأسعار وعناء في المعيشة هي التي يعاني منها اخوتهم العراقيين أيضاً، معرباً عن خيبة أمل غالبية العراقيين من إمكانية تحسن الحالة الأمنية في بلدهم، وقال: «هم أصبحوا يشعرون بأن الكلام الذي تردده الحكومة العراقية والإدارة الأميركية عن تحسن الحالة الأمنية في العراق غير صحيح.. لذلك فإن غالبية الذين يغادرون مصر يتوجهون عادة لبلد ثالث غير بلدهم».

وعن الظروف المالية للاجئين العراقيين في مصر أضاف الكليدار، أن «من بين اللاجئين من هو ميسور الحال..القلة منهم وهبها الله المال سواء بطريق شرعي أو غير شرعي.. هؤلاء تيسرت لهم الحياة في مصر أو في غيرها..».

ومن جانبه قال المحلل السياسي العراقي الدكتور عبد الكريم العلوجي، إن مشاكل اللاجئين العراقيين في مصر مثلها مثل باقي المشاكل التي يعاني منها العراقيون في اي من بلدان العالم الأخرى، لكنه اضاف أن اللاجئين العراقيين في مصر لا يجدون مساعدة تذكر من الأمم المتحدة ولا من الحكومات العربية أو حتى من الحكومة العراقية.

وطالب العلوجي الحكومة العراقية بدفع رواتب تساعد اللاجئين في مصر على الحياة. مشيراً في الوقت ذاته، إلى تردي الحالة الصحية للكثير من العراقيين في مصر. وحول ما تردد عن لجوء عراقيين للزواج من مصريات من أجل الحصول على إقامة، قال العلوجي، إن «العديد من العراقيين الذين تزوجوا مصريات اصطحبوهن معهم في طريق عودتهم إلى العراق أو الى الأردن أو سورية، وأن هذا ينفي أن الاعتقاد الذي روج له البعض من أن العراقيين يلجأون لهذه الحيلة (الزواج من مصريات)، لكن هذا غير صحيح أي ليس بالصورة التي تخيلها البعض.. العراقي بطبيعته لا يحب الغربة.. يريد العودة لأهله وبلده، ولو استقرت الأوضاع هناك بشكل حقيقي، لا دعائي، فسيعود العراقيون إلى وطنهم ليس من مصر فقط، بل من غالبية بلاد العالم».

التعليــقــــات
أشرف عمر، «المملكة العربية السعودية»، 24/03/2008
يبين التحقيق إلى حالة الإخوان العراقيين الذين إضطروا للنزوح عن بيوتهم وبلدهم تحت ظروف الأحوال المتردية وعدم الإطمئنان وعدم الأمان السائد في العراق، إنه من سخرية القدر أن يُهجر أو يهاجر أبناء العراق الذين كان بلدهم سوقاً للعمالة العربية ويمتلك ثروات وشركات وإستثمارات ومنشآت ويعمل فيها إخوانهم من الدول العربية المختلفة ولعلها تكون ردا مناسبا على المٌدعين بإستقرار الأحوال في العراق، ومشاكلهم في مصر كبيرة بسبب الزحام الكبير والعدد الهائل للسكان في القاهرة تحديداً حيث بها حوالي 20 مليون نسمة وحيث يعاني المصريون أنفسهم من قلة فرص العمل وظروف الزحام والتلوث، ولو إختار الاخوان العراقيون بلداً آخر لكان أفضل ووجدوا فرص عمل وسكن وراحة.
ياسر الهلالي، «المانيا»، 24/03/2008
اما كان الاجدر بمصر كاكبر دولة عربية ان تمنح بسهولة الاقامة للاجئين العراقيين كوفاء ورد الجميل الذي عاملها به العراقيون وقادتهم وصدام على الاخص طيلة عشرات السنين عندما قدموا للعراق واشتغلوا وحولوا مبالغ قيمة لبلدانهم بحيث كنا نسمع ان النصريين العاملين في العراق يبنون لهم طابق اضافي في عمارتهم كل سنة وهذا دليل على السخاء والعطاء الكبير لهم والذين كان اقل تقدير لعددهم 4 او 3 ملايين مصري ومنهم من افرج عنهم من السجون لكي يلتحقوا بالعمل في العراق ويغرفوا من ثروته ,,, والان ترى مصر تبخل على بضعة الاف من اللاجئين العراقيين بمنحهم الاقامة والسماح لاولادهم بالتعلم في المدارس الحكومية,,, لا استطيع ان اعبر عن هذه المأساة العربية ولكننى مع الاسف اقول طالما بقينا على هذه الحال فسنبقى اي بعض الدول العربية ان لم تكن اغلبها في مؤخرة الامم والشعوب ,,, وليرحم الله امة مثل هذه,,
أياد المختار، «الولايات المتحدة الامريكية»، 24/03/2008
لا افهم كيف مصر زعيمة القومية العربية ومركز الازهر الشريف ترفض ان يتعلم الاطفال العراقيين العرب.... واول كلمة قالها الله سبحانه وتعالى هي كلمة أقرا...بينما تحرم مصر الاطفال العراقيين من تعلم القراءة.....وكأن الاسلام هو دين لا يهتم الا بأن تغطي المرأة الشعر التي وهبها الله. الاسلام دين رحمة والمسلمين سواسية كعود المشط... ارجعوا للاسلام دين الرحمة والدعاء للعراقيين بقادة وطنيين وان يعودوا الى ديارهم معززين مكرمين امنين..انه سميع مجيب الدعاء وشكرا.
سهام جر جيس - عراقيه، «الاردن»، 24/03/2008
لماذا تظن الحكومات العربية بان العراقيين يودون التوطين في بلادهم. الا يعلمون بان العراق كالسمكة اذا خرج من الماء يموت نعم اذا خرج العراقي من العراق يموت والكل ينتظر تحسن الاوضاع للرجوع باسرع ما يمكن اليه . ولكن هنا اعتب على مصر بالدرجة الاولى لانهم كما يقولون هي ام الدنيا . لا ليست ام الدنيا لانها لو كانت ام لاحتضنت اولادها وحمتهم من الظروف الصعبة التي يمرون بها . ولكنها ماذا فعلت للعراقيين الذين ساندوا مصر في كل محناتها وفي حروبها ولنا شهداء بذلوا دمائهم في سبيل مصر ولا ينسوا كيف كان الخمسة ملايين مصري يعيشون في العراق وكانت رواتبهم ومخصصاتهم تزيد على رواتب اهل البلد باضعاف ولم نكن نشكو ولا نتذمر ولمسنا ذلك عندما زرنا مصر قبل الاحتلال وكيف استقبلونا بكل ترحاب وكانوا يذكرون بان كل خيرهم الذين هم فيه جاء من العراق . ولكن سبحان الله تغيرت النفوس وبعد الاحتلال لاحظنا مدى تغير الحكومة المصرية وكذلك قسم من الشعب المصري السلبي تجاه العراقيين والطامة الكبرى عندما منعوا اطفال العراق من التعلم بالمدارس المصرية. يا لسخرية الاقدار . ونقول للكل سيرجع العراق باذن الله معافا فرفقا بشعبه الان .
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال