قاعدة جنبلاط الشعبية في لبنان تتململ من «تنازلاته» لدمشق

رغم القناعة السائدة بأن الوقت يعمل لصالحه وليس العكس.. الكثيرون يعتقدون أن اعتذاره لسورية لن يتبعه لقاء مع الأسد

النائب وليد جنبلاط (أ.ب.إ)
TT

يؤكد مصدر مطلع على خط المفاوضات بشأن زيارة وليد جنبلاط إلى سورية أن «دمشق وضعت بالفعل شروطا على وليد جنبلاط، لتسقط ما بدر منه من إساءات نحوها، وأن هذه الشروط تتضمن اعتذارا علنيا لسورية والشعب السوري». ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «حتى لو تم هذا الاعتذار فإن ما سيتلوه لن يكون لقاء بين جنبلاط والأسد، كما يشاع، وإنما لقاءات تمهيدية، وتوطئة لا بد من عبورها». ويضيف: «زيارة جنبلاط إلى دمشق ليست قريبة. السوريون غير مستعجلين. أكثر من ذلك، لقد تركوا معالجة الملف لحزب الله وكأنما لم يحن وقته بالنسبة لهم بعد». ويشرح المصدر: «السوريون ليسوا غاضبين فقط من سلوك وليد جنبلاط تجاههم خلال السنوات القليلة الماضية، وإنما يعتبرون أنهم هم الذين سلموه زعامة الجبل بعد استشهاد والده وهم الذين حموه من سيطرة سمير جعجع حين هجم على الجبل وكاد يأتي على كل شيء فيه عام 1982». ويضيف المصدر: «الإيرانيون يكررون أيضا بأنهم أسدوا لجنبلاط خدمات جليلة، مع ذلك أنكرهم وأساء لهم في الفترة السابقة».

لكن السؤال المطروح اليوم هو: كم تحتمل قاعدة جنبلاط الشعبية من التنازلات التي يقال إن دمشق تطلبها من الزعيم الدرزي. فلم يعد سرا أن ثمة تململا شعبيا من تلبية جنبلاط للمطالب السورية بين محازبيه.

شخصية درزية مطلعة، قريبة من أجواء جنبلاط، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»: «أنه مع التحولات التي أعلنها وليد جنبلاط حدثت صدمة في البداية، على أساس أن النقلة كانت 180 درجة، من موقع إلى آخر. خاصة أن جنبلاط، كان الشخصية المستقطبة في 14 آذار. وجمهوره رحب بدوره وقتها، لأنه نجح في أن يتجاوز قيادة طائفته ليصبح حالة وطنية استقلالية. هذا حاز على إجماع هائل وسط جمهوره وطائفته. التحول السريع المستجد كان له فعل الصدمة. الاعتراض الكبير، من جمهوره اليوم، ليس على التوجهات بقدر ما هو على الأسلوب». وتكمل الشخصية المطلعة كلامها: «هناك دروز يتساءلون اليوم، لماذا كل هذه الهرولة باتجاه سورية؟. كان بمقدور جنبلاط أن يمشي بخطوات مدروسة وبعض الروية ويحصل على ما يريد». وتضيف الشخصية: «مناصرو جنبلاط ينزعجون وهم يرون أصدقاء سورية أو حلفاءه الجدد هم الذين يبررون مواقفه ويقولون إنه لا شروط على جنبلاط لزيارة سورية، أو أن أحدا لم يطلب منه الاعتذار العلني أو زيارة الزعيم الفلاني. وكأنما هذا الكلام فيه شيء من الشماتة المبطنة بجنبلاط». وتشرح الشخصية الدرزية القريبة من أجواء جنبلاط لـ«الشرق الأوسط»: المنطق الذي يستخدمه جنبلاط ليبرر تنازلاته، بأنه لا يريد حربا جديدة، هذا يكتسب مع الزمن تأييدا، لأن لا استعدادات للمواجهة العسكرية عند الدروز مع أي كان، لا لجهة السلاح، ولا العدد البشري. الناس لا تزال تذكر، حين هجمت إسرائيل على الجبل ووراءها القوات اللبنانية، هذا ليس بعيدا كي ننساه. والأقليات تميل باستمرار للحفاظ على أمنها وبقائها. لذلك فإن الوقت لصالح جنبلاط وليس العكس». نسأل الشخصية الدرزية القريبة من أجواء وليد جنبلاط، إن كانت التغيرات المفاجئة والتقلبات التي بات معروفا بها، هي نتيجة مزاج متطرف ومتسرع لديه، فتجيب: «انطباعي ومنذ استلم قيادة الحزب الاشتراكي بعد وفاة والده، بأنه يتسم بالحكمة والروية والفطنة. لكن ما صدر عنه في السنوات الأخيرة، يجعلني أتساءل إذا ما كان هذا هو الشخص نفسه الذي نعرفه، وكيف تغير إلى هذا الحد؟».

مصدر موثوق من منطقة الشوف يؤكد بدوره أن «محازبين لجنبلاط يشعرون بالغيظ بسبب قبول وليد جنبلاط بالمعاملة السورية» ويكمل: «هناك تململ في قاعدة وليد جنبلاط. لقد أخذهم إلى أقصى اليمين ثم أعادهم إلى أقصى اليسار، دون أن يعرفوا لماذا ذهب بهم، ولماذا أعادهم. لقد أوصلهم إلى حرب مع الشيعة في 7 أيار ثم ها هو في زمن قياسي، يأخذهم إلى صداقة مع حزب الله. الدروز يؤمنون بالعنفوان والقوة، ويصعب عليهم أن يروا زعيمهم يتنازل على نحو يعتبرونه غير مقبول». لكن، يضيف المصدر: «هذا التململ في الواقع الدرزي لا يذهب إلى أي مكان ولا ينتج تغييرا سياسيا. مكانة وليد بيك محفوظة، رغم التحفظات الكثيرة. أكثر من ذلك ليس هناك من ضغط داخلي درزي على جنبلاط، رغم عدم الرضا عن مسلكه السياسي، حتى علي زين الدين، الذي يفترض أنه يقود التيار الأصولي، كان موجودا في لقاء الشويفات التصالحي إلى جانب جنبلاط». ويشرح المصدر: «يجب أن لا ننسى بأن الحسابات العائلية والعشائرية مهمة في الجبل، وأن جنبلاط ممسك بجمهوره من خلال شبكة مصالح تربطهم به. فهو الزعيم النافذ الذي يوظف، ويساعد، وله يد طولى في كل ما له علاقة بالدولة».

البعض يتحدث عن حركة أصولية درزية متمردة على جنبلاط تنمو في الجبل، لكن أكثر من جهة درزية تؤكد أن الأصولية بمعناها السني أو الشيعي، ليست موجودة في الأوساط الدرزية، لأنها لا تتناغم مع طبيعة الممارسات الدينية الدرزية. فالدروز هم أقرب إلى العلمانيين في علاقتهم مع الدين منهم إلى المسلمين السنة أو الشيعة. أحد العالمين بأوساط المشايخ يقول: «قوة جنبلاط متأتية أصلا من قربه من المشايخ الكبار والمسنين، هؤلاء يدعمونه ويساندونه حتى لو لم تعجبهم بعض مسلكياته السياسية، لكن في الوقت نفسه هناك شيء من الاعتراض عليه من قبل المشايخ الشباب. هؤلاء لم يتشبعوا بعد بالروحانيات الدينية. بعض هؤلاء يرون اليوم أن على الدروز أن يتحضروا للمواجهة، مع أي جهة تهاجم الطائفة. هم يرفضون التنازلات التي يميل إليها جنبلاط اليوم». ويضيف: «ما هو مهم أن هؤلاء الشباب ممسوكون من قبل المشايخ الكبار، الذين يتمتعون بواقعية كبيرة. والمشايخ الشباب لن تكون لهم تأثيرات تذكر على الواقع السياسي أو الاجتماعي». المصدر الموثوق في الشوف، يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الوزير السابق وئام وهاب الذي يدعي بأنه بدأ تشكيل زعامة ثالثة إلى جانب وليد جنبلاط وطلال أرسلان، «هو مجرد ظاهرة إعلامية وادعاؤه بأن لحزبه 2000 منتسب هو كلام غير منطقي، خاصة أن عدد الدروز المقيمين في لبنان لا يتجاوز 200 ألف نسمة. لا يختلف الدروز في لبنان على أن زعيمهم الأول هو وليد جنبلاط. أما طلال أرسلان الذي لعب دورا في إنقاذ الجبل من حرب دموية في 7 أيار 2008 فقد اكتسب من حينها مكانة إضافية في نفوس الناس، وهو ما يحاول أرسلان تثميره على المدى المتوسط. أما وئام وهاب الذي يطمح لتشكيل زعامة ثالثة في الجبل تكسر الزعامتين التقليديتين، فلا يبدو، لغاية الآن، أن أزمة جنبلاط مع دمشق ستفيده كثيرا في مهمته.

أما لماذا يبدو دور وليد جنبلاط مهما إلى هذا الحد في الموازين السياسية اللبنانية، رغم العدد القليل للطائفة الدرزية؟ يجيب المصدر: «لعب الدروز في لبنان دورا ترجيحيا باستمرار للجهة التي يتحالفون معها، لذلك تبقى مواقف الزعيم الأول للطائفة الدرزية مهمة في تقوية هذا الطرف أو إضعاف ذاك، وهذا أمر يعرفه جيدا وليد جنبلاط ويبني عليه».