سورية أمام تحدي الجفاف.. والمتضررون ينتظرون رحمة السماء

كل أزمة في المنطقة الشرقية تنعكس على المجتمع السوري كونها المنطقة الأولى في الزراعة

TT

أنعش موسم الأمطار الحالي آمال السوريين في الحد من حالة الجفاف التي ألقت بظلالها الثقيلة على البلاد لأكثر من أربعة مواسم متتالية، فالعودة المبكرة نسبيا للأمطار وبكميات أكبر من العام الماضي وعلى مختلف أنحاء البلاد، مع هطولات ثلجية ما زالت مستمرة في أغلب المناطق الجنوبية، جاءت بمثابة وعد بانفراج الأزمة الحادة التي تواجه القطاع الزراعي السوري، لا سيما في المناطق الشرقية أو ما يسمى منطقة «الجزيرة السورية»، سلة سورية الغذائية، فهي تنتج 57% من إجمالي إنتاج القمح و69% من إنتاج القطن و33% من إنتاج الشوندر السكري، كما أنها تربي 37% من إجمالي قطيع المواشي، وتشكل مواردها المائية نحو 58% من الموارد المائية في سورية، إضافة إلى كونها المنتج الرئيسي للنفط والغاز.

لذلك كله تعتبر المنطقة الشرقية «حجر الزاوية في مقولة الأمن الغذائي المستدام»، بحسب تعبير الخبير في العلوم الزراعية د.رياض الشايب، خلال مشاركته في منتدى «الثلاثاء الاقتصادي» الذي خصص الأسبوع الماضي جلسته لمناقشة الآثار الاجتماعية لأزمة الجفاف في المنطقة الشرقية، وأكد الشايب «لا يمكن الحديث عن التخطيط لاستدامة الأمن الغذائي بمعزل عنها (المنطقة الشرقية) وعن دورها في إجمالي الإنتاج الوطني».. و«كل أزمة في المنطقة الشرقية تنعكس على المجتمع السوري، كونها المنطقة الأولى في زراعة المحاصيل الاستراتيجية».

لذلك تجد الحكومة السورية نفسها في مواجهة أزمة الجفاف في المنطقة الشرقية، والتي يدفع ثمنها المجتمع السوري عموما. وحسب التقديرات الرسمية ومنظمات الأمم المتحدة تسبب الجفاف خلال الأعوام الماضية في انخفاض إنتاج القمح في عام 2008 بنسبة 82% عن عام 2007، وخسارة موسم الشعير، الأمر الذي انعكس بشكل كارثي على مربي المواشي بالتآزر مع انعدام المراعي في البادية التي تؤوي 80% من المواشي وتوفر نحو 60% من الأعلاف، مما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من سكان المناطق الشرقية إلى المناطق الوسطى والجنوبية، حتى إن المفوضية الأوروبية خصصت حزيران الماضي مليوني يورو لتوفير الغذاء، وتلبية الاحتياجات الإنسانية لإغاثة نحو 70000 شخص من المتضررين من الجفاف.

أما الأمم المتحدة التي عملت على جمع مساعدات مالية طارئة لسورية تبلغ 53 مليون دولار، فلم تحصل على أي أموال من الدول المانحة بسبب الحظر الاقتصادي الذي ما زال مفروضا على سورية رغم الانفراج السياسي، لذلك بدأت الشهر الماضي عملية الإغاثة ببعض المساعدات من أموالها.. كما أعلنت بالتعاون مع الحكومة السورية عن «خطة الاستجابة للدعم المخصص لأزمة الجفاف».

أزمة الجفاف وضعت الحكومة أمام تحد هائل يتمثل في التصدي للمستويات المرتفعة للفقر والبطالة والأمية. التي لم تفلح الخطة الخمسية في الحد منها، بل إن معدلات الفقر زادت في عام 2008 مقارنة بعام 2004، إذ أظهرت دراسة جرت في عام 2008 ارتفاع معدلات من هم تحت خط الفقر إلى ما يزيد على 12%، وهو ما يؤكد فشل خطط الفريق الاقتصادي في تخفيض معدل الفقر من خلال الخطة الخمسية العاشرة التي أخذت على عاتقها تخفيض معدل الفقر من 11.4 إلى 7.5% خلال مدة تطبيقها (2006 - 2010)، وذلك رغم الأرقام المتفائلة التي أعلن عنها نائب رئيس الحكومة لشؤون الاقتصاد د.عبد الله الدردري في مؤتمر التنمية الذي رعته السيدة عقيلة الرئيس السوري أسماء الأسد منذ عشرة أيام، وفي هذا المؤتمر المخصص للبحث في طرق زج المجتمع الأهلي في عملية التنمية من خلال إيجاد آلية للتشاركية بين القطاعين العام والخاص والمجتمع الأهلي، وذلك بعد التوصل إلى قناعة بأن جهود الحكومة وحدها غير كافية لتحقيق التنمية، في هذا المؤتمر أكد الدردري أن سورية تجتاز مرحلة «حساسة» جدا من عملية التنمية، رغم تحقيقها «إنجازات مهمة على صعيد الإصلاح الاقتصادي الهيكلي خلال السنوات الأربع الماضية» معترفا بأن «معدلات البطالة والفقر لم تنخفض بما يتلاءم مع معدلات النمو الاقتصادي». وأقر الدردري أيضا بأن الإصلاح الاقتصادي الهيكلي «شرط لازم لكنه غير كاف»، محملا الجفاف جزءا كبيرا من المسؤولية في رفع معدلات البطالة. وقال «لولا الجفاف الذي عانيناه لاستطعنا تحقيق أهداف البطالة والفقر والنمو المستهدف في الخطة الخمسية العاشرة، لكننا لا نستطيع أن نقول إننا سنترك المستقبل لقضية متعلقة بالسماء، من دون محاولة التأثير فيه».

ويبدو أن المسؤولين في الفريق الاقتصادي متفقون على تحميل الجفاف المسؤولية عن فشل خطتهم في تخفيض معدلات الفقر والبطالة، فقد صرح وزير المالية محمد الحسين «إن الخطة الخمسية العاشرة تزامنت مع ظروف مناخية ومالية صعبة شهدتها سورية والعالم، أدت إلى تأثر القطاع الزراعي والثروة الحيوانية بصورة مباشرة»، وذلك في محاضرة له الأسبوع الماضي بعنوان «السياسة المالية في سورية». وقال الحسين إن «الخطة الخمسية العاشرة تزامنت مع ظروف مناخية ومالية صعبة شهدتها سورية والعالم، حيث عانت سورية من الجفاف خاصة في المنطقة الشرقية والبادية، فتأثر القطاع الزراعي والثروة الحيوانية بصورة مباشرة».

ومع أن الفريق الاقتصادي يتجنب ذكر الأسباب الأخرى إلى جانب الجفاف في تضرر القطاع الزراعي، وأحدها رفع الدعم عن الوقود الذي ألحق أضرارا فادحة بالزراعات المروية، فإنهم يعترفون بشكل غير مباشر بقصور خططهم، فقد كشف وزير المالية عن أن «القيادة القطرية لحزب البعث (الحزب الحاكم) طالبت الحكومة بدراسة مجمل نقاط الضعف والقوة في الخطة السابقة ليصار إلى تفاديها في الخطة القادمة». ‏وأكد وزير المالية أن «الخطة الخمسية الحادية عشرة ستركز على قطاعات الزراعة والصناعة والري والبنى التحتية، وستعمل على توفير موارد أكبر لجميع المحافظات».

وبعيدا عن الخطط الاستراتيجية، فثمة واقع مترد ملح نتج عن الجفاف يفرض نفسه على الحكومة ويستدعي حلولا إسعافية عاجلة، مثل مشروع الطوارئ لمتضرري الجفاف في البادية السورية، وفي ورشة عمل أقامها برنامج الأغذية العالمي بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولية والهيئة العامة لإدارة وتنمية البادية في تدمر، قال المهندس علي حمود، مدير عام هيئة البادية، إن «الهيئة تعمل بالتعاون مع الجهات المعنية على تقديم مساعدات غذائية إسعافية لمتضرري الجفاف في البادية السورية». ودعت الورشة التي عقدت الشهر الماضي إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية، والسعي إلى تأمين معززات الأسر لتمكينها من مقاومة الصدمات وتنمية قدرات البحث عن بدائل للتعامل مع الجفاف.

كما وقعت وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أخيرا على اتفاقية لتعزيز قدرات وحدات الإنذار المبكر للتنبؤ بالجفاف، والتي ستغطي البادية السورية وجميع المحافظات المحيطة بها، بتمويل من الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية، بمبلغ 476 ألف دولار. ويهدف المشروع الذي يتم تنفيذه على مدى عامي 2010 و2011 إلى تخفيف حدة الآثار السلبية لموجات الجفاف.

ورغم محاولة المسؤولين تهدئة مخاوف المواطن السوري من مستقبل يهدده الجفاف، والإعلان عن خطط مدعومة بأرقام متفائلة، وأنهم لن يتركوا المستقبل «لقضية متعلقة بالسماء» كما قال الدردري، فإنه يبدو أن المواطن السوري لا يثق إلا «في رحمة السماء»، التي بدأت هذا العام «تبشره بموسم خير» بحسب تعبير جديّع الذي شرده الجفاف مع أسرته المؤلفة من سبعة أفراد، آملا «أن يكون العام القادم أحسن.. والتوكل على الله».