باكستان تدخل على خط الوساطة في المصالحة الأفغانية

إسلام آباد ترغب في أن تكون جزءا من التسوية بالتوسط مع طالبان

TT

أخطرت باكستان الولايات المتحدة برغبتها في الاضطلاع بدور محوري في تسوية الحرب الأفغانية، وعرضت القيام بدور الوسيط في الاتصال بفرق «طالبان» التي تستخدم أراضيها وتعد حليفة لها منذ أمد بعيد، طبقا لما صرح به مسؤولون أميركيون وباكستانيون.

وهذا العرض، الذي يرمي للحفاظ على النفوذ الباكستاني في أفغانستان مع رحيل الأميركيين، يحمل في طياته إمكانية تعزيز والإضرار بالمصالح الأميركية، في وقت تشهد فيه واشنطن جدالا حول التوصل لتسوية مع طالبان.

من جانبه، أوضح رئيس الجيش الباكستاني، الجنرال أشفق بارفيز كياني، استعداد بلاده للاضطلاع بدور الوساطة خلال اجتماع عقد في أواخر الشهر الماضي داخل مقر رئاسة حلف «الناتو» بحضور مسؤولين عسكريين أميركيين رفيعي المستوى، حسبما كشف مسؤول عسكري أميركي بارز على علم بالاجتماع.

يشكل العرض الباكستاني الأخير انحرافا عن النهج الباكستاني السابق الذي اتسم بالتردد إزاء التعامل مع طالبان. يذكر أن الاجتماع سالف الذكر ضم رئيس هيئة الأركان المشتركة، الأدميرال مايك مولن، ورئيس القيادة المركزية، الجنرال ديفيد إتش بترايوس، وقائد القوات الأميركية والقوات المتحالفة في أفغانستان، جنرال ستانلي إيه ماكريستال، طبقا لما ذكره المسؤول.

وأضاف المسؤول «يرغب الباكستانيون في أن يكونوا جزءا من المناقشات التي ربما تثمر عن تسوية». ومن المحتمل أن تجري مناقشة الرغبة الباكستانية في التعاون مع الولايات المتحدة بشأن إنهاء الحرب في أفغانستان أثناء زيارة مستشار الأمن القومي، جنرال جيمس إل جونز، إسلام آباد، هذا الأسبوع. وحتى الآن، أبدت واشنطن حماسا أكبر تجاه دفع إسلام آباد لقتال طالبان عن التفاوض معها، ولم تقر بعد التوجه الباكستاني الجديد. من ناحية أخرى، يوضح العرض الباكستاني أن أي حل دائم للحرب في أفغانستان يستلزم أخذ جيرانها في الاعتبار، خاصة في منطقة تتصارع فيها باكستان والهند والصين وإيران ودول أخرى على النفوذ.

وذكر مسؤولون باكستانيون مطلعون على أسلوب تفكير جنرال كياني أنه حتى في الوقت الذي تزيد فيه واشنطن من أعداد قواتها، يصر كياني على أنها تبحث عن مخرج سريع من أفغانستان. وأضافوا أن هذا الانطباع تعزز بتعمد الرئيس أوباما تناول قضية الحرب في أفغانستان على نحو موجز خلال خطابه حول حال الاتحاد. ويتمثل ما يمكن للباكستانيين عرضه على واشنطن في نفوذهم لدى فرقتي طالبان اللتين يتزعمهما جلال الدين وسراج حقاني، واللتين يرى القادة العسكريون الأميركيون أن قواتهما هي الأكثر دموية بين القوات التي تقاتل ضد الجنود الأميركيين وجنود حلف الناتو في أفغانستان. من معقلهم داخل المنطقة القبلية الباكستانية في شمال وزيرستان، يتمتع أفراد فرقة حقاني بنفوذ داخل أجزاء واسعة من جنوب أفغانستان، وشنوا هجمات إرهابية ضخمة في كابل، حسبما ذكر مسؤولون أميركيون. يذكر أن الحقانيين من الحلفاء الوثيقين لـ«القاعدة». لكنهم يرتبطون أيضا بصلات طويلة الأمد بالوكالات الاستخباراتية والعسكرية الباكستانية التي وفرت لهم الحماية داخل الأراضي الباكستانية. وفي مقابل محاولة كبح جماح الحقانيين، تتطلع إسلام آباد للتمتع بعلاقات صديقة مع أفغانستان وسبل لصد الوجود الهندي المتنامي هناك، طبقا لما قاله مسؤولون باكستانيون وأميركيون.

خلال مؤتمرات صحافية موجزة الأسبوع الماضي داخل مقر رئاسة الجيش، كرر جنرال كياني، الذي يتميز عادة بالتحفظ في حديثه، عرضه على حلف الناتو للقيام بدور بناء، مع تأكيده رغبة إسلام آباد في التمتع بنفوذ واسع في جنوب أفغانستان. ويعتقد أن فرقة حقاني أهم الدعائم التي ستعتمد عليها باكستان في تحقيق ذلك. من ناحية أخرى، قال مسؤولون أميركيون إن واشنطن لا تزال تشهد نقاشا داخليا حول حدود أي حل مطروح للتفاوض، لكنهم نوهوا بأن أحد العناصر الرئيسية فيما يخص باكستان أن تحقق فصلا بين جماعة حقاني وقيادة «القاعدة».

وفي الوقت الراهن، تتطلع الولايات المتحدة، بدلا من ذلك، إلى تلقي عون عسكري من باكستان لدك معاقل «طالبان» و«القاعدة» في جنوب أفغانستان، حيث يتولى حقاني قيادة 4.000 مقاتل، حسبما أشار مسؤولون عسكريون أميركيون. يذكر أن الأميركيون مارسوا ضغوطا على جنرال كياني كي يشن هجوما ضد قاعدة حقاني في شمال وزيرستان. أثناء الاجتماع سالف الذكر المنعقد في 26 يناير (كانون الثاني) بين مسؤولي الناتو والجنرال حقاني، راجع قادة عسكريون أميركيون قائمة بمعدات ثقيلة - منها طائرات مروحية طراز «MI - 17» وذخائر لطائرات مروحية طراز «Cobra» ودروع واقية للبدن ومركبات مدرعة - من المقرر إرسالها للمؤسسة العسكرية الباكستانية كحافز لها لفرض مزيد من السيطرة على فرقة حقاني.

إلا أن الجنرال كياني، الذي كسب رضا الأميركيين بتنفيذه عملية ضد «طالبان» الباكستانية في جنوب وزيرستان هذا الخريف، لم يتأثر بهذا الحافز. وأخبر مراسلين صحافيين الأسبوع الماضي بأنه «ليست هناك حاجة عند هذه النقطة للشروع في شن عملية كبرى في شمال وزيرستان». الشهر الماضي، اصطحب الجنرال حقاني الجنرال ماكريستال في جولة بطائرة مروحية فوق جبال وادي سوات، حيث هبط مظليون باكستانيون الصيف الماضي لسحق متمردين تابعين لطالبان. وكانت الرسالة الرئيسة من وراء الجولة أن الجيش الباكستاني لا يزال يعتبر الهند عدوه الرئيسي، وأنه منتشر على مساحة بالغة الاتساع تجعل من المتعذر فتحه جبهة قتالية جديدة. على ما يبدو، ينبع التباطؤ الباكستاني إزاء السيطرة على فرقة حقاني من رغبة باكستان في الاحتفاظ بهذا الأمر كجائزة تقدم على طاولة التفاوض، وباعتبارها أصلا قيما محتملا في يد باكستان داخل أفغانستان خلال حقبة ما بعد الحرب، حسبما أشار سيد رفعت حسين، بروفسور العلاقات الدولية في جامعة اسطنبول، الذي تربطه علاقات وثيقة بالجيش الباكستاني. ويدعو بعض أعضاء إدارة أوباما إلى السماح للباكستانيين بالاحتفاظ بالحقانيين كجزء من نفوذ إسلام آباد في جنوب أفغانستان، لكن فقط إذا ما أجبرت باكستان الحقانيين على الانفصال عن «القاعدة» ودفع المسلحين إلى خارج مناطق نفوذهم، حسبما ذكر مسؤول أميركي.

يذكر أنه منذ فرار زعماء «القاعدة» من أفغانستان عام 2001، عمدوا إلى استغلال المناطق القبلية الباكستانية في تعزيز أواصر علاقاتهم مع الحقانيين والجماعات المسلحة الأخرى، بما فيها «طالبان» الباكستانية.

* خدمة «نيويورك تايمز»