الجمعـة 23 رمضـان 1431 هـ 3 سبتمبر 2010 العدد 11602
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

باحث مصري زار السعودية قبل 8 عقود لرصد الخيول العربية: إنها بلد الديمقراطية والأمن

قابل الملك المؤسس وولي عهده وسجل وصفا لمدن الرياض والأحساء والطائف والخرج

الملك عبد الله أعاد الخيل العربية إلى وطنها وبدد المخاوف من انقراضها
الملك عبد الله عرف باهتمامه بالخيل ولديه مهارة بامتطائها وعناية بأنسابها
نماذج من خيول الملك سعود عندما كان ولي عهد السعودية
الرياض: بدر الخريف
تعدت رحلة المصري الدكتور أحمد مبروك إلى السعودية قبل 76 عاما في عهد الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة، وأول ملوكها، ضمن رحلة إلى عدد من الدول العربية للاطلاع على أحوال الخيول العربية فيها - المهمة الخاصة وهي دراسة شؤون الخيل إلى تسجيل الكثير من الشواهد الصادقة والآراء عن الملك المؤسس ودولته الناشئة، وسجل صاحب الرحلة انطباعات وشواهد عن الاستقرار وانتشار الأمن في البلاد، كما توج رحلته بلقاء الملك عبد العزيز ونشر ما دار في هذا اللقاء، كما كتب عن المدن والمناطق التي زارها باقتضاب، وخصص جل الكتاب للحديث عن مهمة رحلته وهي البحث عن خيول عربية أصيلة لتجديد الدم ومعرفة أحسن طرق تربية الأصايل وأنجعها، وكشف الرحالة في كتاب طبعته الجمعية الزراعية الملكية في مصر عام 1938م التي كلفت المؤلف بهذه الرحلة عن مؤشرات باضمحلال الحصان العربي في مهده، وعدم وجود سجلات لأنساب الخيول العربية في أي جهة.

وقد أظهر الملك عبد العزيز، الذي لديه حرص وعناية بتربية الخيول العربية الأصيلة ومحبة لها وللفروسية، اهتماما بمهمة الدكتور أحمد مبروك الذي انتدبته الجمعية الزراعية الملكية للسفر إلى نجد والعراق والشام للبحث عن خيول عربية أصيلة، علما بأن الجمعية الزراعية الملكية بمصر تعد من أقدم الجمعيات العلمية حيث تأسست عام 1898م، وكان لها جهود بارزة في خدمة الزراعة وتربية الحيوانات، وألغيت الجمعية في منتصف القرن الميلادي الماضي، وطبعت الجمعية رحلة مبروك وأعادت دارة الملك عبد العزيز نشر الكتاب بمراجعة وتعليق من أمينها العام الدكتور فهد السماري لعل ذلك يقود إلى مشروع علمي يتمثل في توثيق جميع المعلومات المتعلقة بالخيول العربية الأصيلة ونشرها، وخاصة جهود الملك عبد العزيز المتعلقة برعاية هذه الخيول والعناية بها.

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب الذي عنونه بـ«رحلة إلى بلاد العرب»: «لقد تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود فأظهر اهتماما بمهمتي لما يكنه للقطر المصري وأهله، وخاصة لجلالة الملك، ولحضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون من تقدير، وإن كان هو نفسه أظهر الشك في نجاحي في هذه المهمة. وإني لعاجز عن التعبير عن شكري لإدارة الجمعية الزراعية الملكية، وعلى رأسها حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون أن أتاحت لي الفرصة لمشاهدة البلاد التي تنتسب إليها الخيول العربية الأصيلة التي شغفت بها، وأشرب حبها قلبي من الصغر».

ويشير المؤلف إلى رحلته إلى السعودية بدءا بالحجاز ومقابلته الأمير فيصل نجل الملك المؤسس ونائبه في الحجاز: «وصلت إلى جدة في السابع من يونيو (حزيران) سنة 1936م، ويممت شطر مكة في اليوم الثاني بعد أن قضيت ليلة في (لوكاندة) بنك مصر الجميلة التي أظن أنه لولاها ما ظفرت بقسطي من الراحة في هذا الثغر الصغير، وتلك حسنة أخرى من حسنات بنك مصر على المصريين، وعملا بتعليمات الشيخ فوزان السابق سفير المملكة العربية السعودية في مصر، قابلت صاحب المعالي الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية والدفاع في المملكة العربية السعودية، فدعاني إلى النزول ضيفا عليه في (لوكاندة) الحكومة في مكة، وأحاط حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود نجل جلالة الملك ونائبه في الحجاز الذي يسكن الطائف بمهمتي التي جئت من أجلها إلى البلاد العربية، وبعد ثلاثة أيام دعاني سمو الأمير فيصل لمقابلته في الطائف.

وأمكنني في غضون الأيام الثلاثة التي قضيتها في مكة أن أستعرض بعض أفراس يملكها أعيان المدينة المقدسة، ونحو ثمانين فرسا وحصانا من خيول الجيش العربي المستعملة في التربية أيضا، ويبدو لي أن جلالة الملك قد لاحظ أن البدو أصبحوا لا يهتمون بتربية الخيول العربية فأطلق يد وزير الدفاع في تربية الخيول اللازمة لجيوشه النظامية وغير النظامية، وقد تلطف الوزير وأخبرني أنه على الرغم من ندرة الخيول العربية إلى درجة لم يألفها من قبل فإنه على استعداد لتقديم ما يلزم منها لمصر.

ولما قدمت الطائف قابلت سمو ولي العهد في اليوم التالي، ولكنه لم يفاتحني في أمر مهمتي عملا بتقاليد الضيافة العربية التي تقضي بعدم مفاتحة الضيف في مهمته إلا بعد انقضاء ثلاثة أيام، ولقد كان أمر مهمتي معروفا لسموه فضلا عن الخطاب الذي أحمله من لدن حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون إلى حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز قدم إلى سمو الأمير فيصل بصفته نائبا عن صاحب الجلالة.

ولقد كان أول حديث لسموه معي في صلب الموضوع قوله: إنني آسف لأن البدو في نجد والحجاز قد أعرضوا عن تربية الخيول من يوم أن أصبح الغزو بين القبائل أثرا بعد عين، فقد كانت الخيول في الغزو ضرورة لا بد منها، أضف إلى ذلك أن طاعون الخيل ويسمى في بلاد العرب (الفاقوس)، وويلات الحرب العالمية الماضية كادت تقضي على أصايل الخيول في نجد، وكان من جراء ذلك أن 90% من الخيول الموجودة بجزيرة العرب الآن ترد إليها من الشمال، أي من سورية والعراق، وأصبح لا يستطيع الإنفاق على رباط الخيل إلا الملك والأمراء والحكومة، وكل ما هو موجود في الحجاز الآن بضع مئات من الأفراس ونتاجها، معظمها يملكه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل وحرسه، والشيخ عبد الله السليمان والجيش، وإني لأذكر مع الأسف أنه، وإن وجد بعض الأفراس الجميلة نوعا ما فإن التأكد من نسبها غير مستطاع لسببين:

الأول: أنها مستوردة لم تولد في المكان الذي يعثر عليها فيه.

والثاني: انتفاء وجود كتاب للنسب، حتى إن سمو الأمير يأبى أن يعطي شهادة بنسب الأفراس النازحة مهما يبدو عليها من محاسن الخيول العربية، وإنما يستطيع ذلك للخيول التي يعرفها معرفة شخصية، ويعرف أنها ولدت وتربت في نجد، وهي قليلة العدد جدا، وأغلبها لا يصلح للتصدير إلى مصر لكبر سنها، أو لوجود عيوب خلقية فيها، وكثير منها مشوه بالكي بالنار، لأنه العلاج الوحيد لجميع الأمراض والإصابات التي تعتريها، أما الطلائق فهي قليلة جدا، وبعضها معيب كما سنذكر ذلك في حينه.

وقد تأكدت من أن العرب يهتمون بنسب الطلوقة من غير نظر إلى خلوه من العيوب الخلقية، فكانت النتيجة الحتمية لهذه السياسة تدهور نتاج هذه الخيول، وأيضا فإنه لقلة وجود طلائق كافية فإنهم لا يتورعون عن النزوان على الفرس من أقاربها الأقربين، وأن جلالة الملك بصر بذلك التدهور».

* خيول في الصحراء

* ويصف الدكتور مبروك رحلته في الصحراء لرؤية الخيول التابعة للأمير فيصل بقوله: «وقد تفضل حضرة صاحب السمو الملكي الأمير بأن يرافقني أمير الخيل لمشاهدة خيوله الموجودة في إسطبلات الطائف، وقد كان لنا الشرف بحضور الأمير عبد الله بن فيصل أثناء مشاهدة هذه الخيول، الذي عني عناية كبيرة بأخذ رأينا في خيوله الخاصة، وبعد أن شاهدنا خيول الأمير فيصل ومعالي الوزير عبد الله السليمان في الطائف تفضل سموه فرتب لنا رحلة إلى الصحراء لرؤية الخيول التابعة له الموجودة في بقعة يقال لها الخرمة.

ركبنا السيارة الساعة الخامسة (عربي) صباحا، وتوجهنا إلى جهة الخرمة في الصحراء حيث ترعى خيول الأمير فيصل، فوصلناها الساعة الحادية عشرة والنصف، وهي تبعد نحو 250 ميلا عن الطائف، وفي الطريق اخترقنا جبالا وطرقا وعرة حتى دخلنا الصحراء المستوية التي ليس فيها هضاب ولا جبال، وهي مملوءة بالحشيش الرفيع المسمى (نصي) في مساحات واسعة تكفي آلافا مؤلفة من الحيوانات، ولكننا - ويا للأسف! - لم نجد في هذا الطريق إلا قليلا من الإبل والأغنام في أماكن متباعدة، وذلك لعدم وجود ماء في الصحراء إلا الآبار الآتية: العضيد، العرفاء، المنعوت، القرشية، سمودة (ساموده)، الحراضة، الربع، صالبة، بريم، برما، القطانية. وكل بئر لها أهل هم الذين حفروها وبنوها، ولكنهم لا يمنعون عنها عابر سبيل مهما كان، ولا يطردون غيرهم من الرعي في أرضهم متى كانت المراعي كافية.

أما إذا كانت المراعي غير كافيةـ فإن أهل كل بئر يحتفظون بالمراعي التي حولها، وكل بئر تكفي لثمانية آلاف من الإبل، وخمسين ألفا من الأغنام، والبئر يتكلف حفرها وبناؤها نحو الألف ريال سعودي، أي 80 جنيها، والماء يكون غالبا على بعد عشر قامات أو خمس عشرة قامة تقريبا تحت سطح الأرض، وكل الحيوانات في الصحراء تكتفي برعي الحشائش النابتة فيها بدون أن تساعد بأي غذاء آخر، إلا الخيول فإنها وقت الصيف تعطى قليلا من الشعير نحو قدح لكل رأس قبل الغروب، لأن الحشيش يكون جافا وغير كاف لغذاء الخيول، إذ الحيوانات تكبر بسرعة في نجد، وألبانها تكون أحلى مما إذا رعت في ربيع الحجاز، وعندي أن المسألة تحتاج إلى تحليل الأرض، ولا بد من أن يكون هناك نقص ظاهر في المواد المعدنية الموجودة في تربة عن الأخرى كما وجدوا ذلك ظاهرا في أستراليا وجنوب أفريقيا، حيث توجد في بعض الأنحاء مراع كثيرة ولكن الحيوانات التي ترعى فيها لا تكون صحتها جيدة مثل مواضع أخرى، وبالتحليل وجد أن الأراضي التي رعت فيها لا تزيد في صحة الحيوان، لأنها ناقصة من أملاح الفوسفات، فإذا ما سبخت هذه المراعي بسماد فوق الفوسفات فإن الحيوانات تزيد حجما وإنتاجا بل ومقاومة للأمراض».

* ملك وفارس

* ويصف المؤلف رحلته إلى الرياض بعد أن فرغ من مشاهداته في الحجاز بقوله: «بعد أن جست خلال الصحراء حول الطائف، وفرغت من مشاهدة ما يمكن رؤيته من الخيول في هذه المنطقة تفضل صاحب الجلالة الملك واستدعاني إلى الرياض، وهي مقر ملكه العظيم، فاستغرقت الرحلة من الطائف إلى الرياض خمسة أيام بالسيارات، وهي عادة تستغرق عشرين يوما على ظهور الإبل في طريق طبيعية لم تنلها أيدي الإصلاح ولا التعبيد إلا بقدر يسير جدا في بعض المناطق الخطرة، وقد اخترقنا هضابا وجبالا وأودية رملية صالحة للزراعة، وأخرى طينية من أنواع متباينة ينبع في جوفها قليل من الآبار.

أما المراعي فشاسعة واسعة تكفي لملايين من الحيوانات، إلا أن قلة المياه تعوق التوسع في التربية، ويغلب على ظني أنه لو حفرت آبار جديدة لازدادت الحيوانات بنسبة الزيادة في الآبار.

أما أهل هذه الجهات التي مررنا بها، فكلهم من البدو الرحل تلوح عليهم مظاهر السعادة والاغتباط، يرعون قطعانا كبيرة من الإبل والأغنام فقط، وذلك لاحتمالها العطش أياما كثيرة، أما الأبقار والخيول فلا يمكن تربيتها في هذه الأصقاع لحاجتها المستمرة إلى المياه، ومما يجب ألا نغفل ذكره أننا لم نر فرسا واحدة عند البدو، حيث لم تعد بهم حاجة إليها، لأنهم يعيشون بسلام فيما بينهم، لامتناع الغزو والنهب والحروب التي أصبحت من آثار الماضي.

وعلى أثر وصولنا إلى الرياض مثلنا توا بين يدي جلالة الملك عبد العزيز بن سعود، فتلقانا هاشا باشا بمقابلة كريمة أنستنا كل ما عانيناه في سفرنا هذا من التعب والنصب، وعرفت عندئذ سر ديمقراطية وعطف جميع الأمراء والوزراء وكبار الموظفين، فهي صورة من بعض خلق ذلك العاهل العظيم، وصار يدعوني كل يوم لمجلسه ثلاثة أيام متوالية بدون أن يفاتحني في شأن مهمتي حسب تقاليد كرام العرب، فلما انقضت الأيام الثلاثة أفضى إلي جلالته بما لا يخرج عن تصريح سمو الأمير فيصل الذي أشرت إليه فيما سبق، ولي الشرف أن أذكر هذا الحديث الكريم حيث قال:

أولا: كانت الخيول العربية ضرورية جدا للبدو قبل عشرين عاما، حيث كان الغزو قائما بينهم على قدم وساق، فكان البدوي لا بد له من أن يقتني فرسا أو أكثر مهما كلفه ذلك من غذاء وماء لها، حتى حليب أبله كان يؤثر به أفراسه على أولاده ونفسه، وذلك ليستطيع الكرَّ بها على جيرانه والفرَّ عليها بما وصلت إليه يده من غنيمة، والنجاة بامتطاء ظهرها من الأعداء وقطاع الطريق.

أما الآن وقد أصبح الغزو أثرا بعد عين، والبلاد آمنة لا يخاف الإنسان فيها على نفسه أو ولده أو ماله قل أو كثر، فليس هناك حاجة إلى رباط الخيل لما يتطلبه ذلك من التكاليف الباهظة، حيث لا يوجد ما يسببها، ومن هذا يتضح تماما أن حب البدوي لخيله حبا مفرطا كان ناشئا من أهميتها اللازمة له، بل كانت حياته مرتبطة بحياة خيله، أما الآن حيث لم يعد لها ضرورة فقد زهد فيها.

ثانيا: كانت الخيل فيما مضى عدة غنيمة لصاحبها ومنجاة له من عدوه، حيث كانت وسائل المقاتلة بالسيوف والحراب والبنادق القصيرة المدى، أما اليوم وقد صارت الحروب بالبنادق البعيدة المرمى فقد أصبحت حياة الخيول وركابها عرضة للخطر المحقق، حيث يلحقها رصاص هذه البنادق السريعة الطلقات البعيدة المرمى، لأن سرعتها تفوق سرعة الخيل بمراحل مهما كانت سريعة العدو.

ثالثا: ذكر جلالته من قبيل التدليل على أن الخيول لا يمكنها الفرار من البنادق البعيدة المرمى، أن جلالته بعد معركة صغيرة أمكنه أن يعد 450 فرسا نافقة.

رابعا: إن جلالته محب للخيل محبة عظيمة، ولكنه يأسف لأن تطورات الزمن جعلت الخيل في إدبار والحديد في إقبال، لأن انتشار وسائل النقل الآلية انتشارا متزايدا جعل الناس لا يرون أية ضرورة لتربية الخيل.

خامسا: يملك جلالته نحو ألف من الأفراس ترعى في أنحاء مختلفة من الصحراء منها 200 اختصها بعناية عظيمة، لأن معظمها من خيول أجداده، فوضعها في واحة الخرج حيث تجد كفايتها من البرسيم الحجازي، وتشرب من المياه الجارية من ينابيع الخرج، ولهذا اتفق جلالته مع سمو الأمير سعود ولي عهده المحبوب على أن يسهل لي مشاهدة الخيول الموجودة في واحة الخرج.

سادسا: أوصاني جلالته بمشاهدة خيول الأمير سعود بن جلوي في الأحساء، وخيول الشيخ حمد أمير البحرين في البحرين».

وعن الخرج التي ذهب إليها لمشاهدة الخيول الموجودة فيها يقول المؤلف: «تبعد واحة الخرج نحو المائتين وخمسين كيلومترا في الناحية الجنوبية الشرقية للرياض (الصحيح تبعد عن الرياض نحو 80 كيلومترا)، وهي بقعة شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة تتخللها العيون الجارية من المياه العذبة، وبها بساتين جمة ونخيل من جميع الأصناف، وهذه البقعة تسمى بالخرج، ويقال: إن أصل التسوية جاء من أن هذه البقعة كانت تمون جزءا كبيرا من نجد بما يحتاجه من حبوب وتمور لكثرة خصبها وغزارة عيون مائها، ولذا فإن جلالة الملك اختارها موطنا لأحسن خيوله وخيول بعض أفراد العائلة الملكية.

قمنا من الرياض قاصدين الخرج في سيارتين فوصلناها في ست ساعات بعد أن استرحنا في الطريق نحو الساعة حظينا فيها بمقابلة الأمير سعود العرافة ابن عم جلالة الملك، وهو رجل ذو خبرة كبيرة في شؤون تربية الخيول، ولا ينقص حبه لها عن حب جلالة الملك وأولاده.

لما وصلنا إلى هذه الواحة وجدنا بعض الأفراس مربوطة في طراحات وأولادها تجري حولها تطعم البرسيم الحجازي والشعير وقليلا من التمر، ولكنها لا تأوي إلى إسطبلات، وإنما رباطها بجوار المجرى الذي يسيل من العين الكبيرة إلى بساتين جلالة الملك، وقد عنيت بوصف بعضها، وكذلك أخذت بعض الصور الفوتوغرافية لأحسنها، وإنما لاحظت أن الطلائق في هذا المكان قليلة كما هو الحال في الأمكنة الأخرى التي شاهدتها، وقد سألت عن علة ذلك فقيل لي: إن العرب لا يركبون الخيول الذكور بل يركبون الأفراس، ولا يربون من الذكور إلا بقدر الحاجة الماسة جدا للطلوقة، أما المهار الذكور فقد تقتل بعد وضعها كما ذكرنا آنفا، وهم يسمحون بوثب (الطارق) المنسب مهما كان فيه من العيوب الخلقية، ولذا فإن محاسن الخيول العربية في تدهور مستمر، وجدير بالذكر هنا أن الخيول الأكثر إعزازا عند العرب هي الخيول السبوق بدون النظر إلى أي اعتبار من ناحية أصلها أو ملاحتها، ولهذا فإن جلالة الملك يعقد سباقا بعد الصلاة في مقر حكمه كل يوم جمعة بعد الظهر، ويجري سباقا كذلك في الطائف يشهده سمو الأمير فيصل، وقد حضرت هذه السباقات، ولاحظت أن الأفراس التي كسبت قصب السبق كانت من أقل الخيول جمالا.

من هذا يتبين لنا أن العرب لا تعنى بجمال الحصان مثل ما تعنى بأصله وفعله، لهذا فهم لا يتورعون عن تشويه خيولهم بالنار، لأن الكي هو وسيلة العلاج الوحيدة لكل أمراض الخيل عند العرب».

* الأحساء بساتين وماء وخيل أصيلة

* ويواصل المؤلف حديثه عن الأحساء التي توجه إليها من الرياض؟

«بعد أن قضينا أسبوعا في الرياض في ضيافة حضرة صاحب الجلالة الملك وعناية وزرائه الكرام تفضل سمو الأمير سعود وأعد الترتيبات اللازمة لرحلتنا إلى الأحساء، ووفر لنا جميع سبل الراحة في هذا السفر الطويل الذي قطعناه في ثلاثة أيام، وهو يستغرق نحو تسعة أيام على ظهور الإبل، مع أن الجمال تسلك طرقا أقصر من طرق السيارات. وقد تفضل جلالة الملك وعهد إلينا برسالة إلى حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون، وأعطانا أيضا توصية إلى حضرة صاحب السمو الأمير سعود بن جلوي حاكم الأحساء، وجوابا آخر بالتوصية إلى السيد عبد العزيز القصيبي وكيل أشغال جلالته في البحرين، وهو نجدي الأصل ولكنه يمتلك بساتين وتجارة واسعة في الأحساء والبحرين، فشكرنا له كرمه وحسن استقباله واستأذناه في السفر فأذن...

وصلنا الأحساء، وهي بلدة كبيرة يبلغ تعداد الأنفس فيها نحو خمسة وأربعين ألفا، وهي محفوفة بالبساتين التي تسقى من عيون فوارة غزيرة المياه عذبتها، تروي نحو الخمسين ألف فدان من النخيل والأعناب والخوخ والرمان وغيرها، وهذا علاوة على الزرع الذي يزرع تحت النخيل، ومما تجدر ملاحظته أن إخصاب هذه الأرض يجري بواسطة الأسمدة الطبيعية، وهي أسمدة المواشي والأغنام، ولكن الأساس فيه هو أن تحرث الأرض وينثر فيها قش الأرز وجريد النخيل ويحرق، وبدون ذلك لا تصبح الأرض صالحة للزراعة.

ومن غريب ما يقال: إن الذي أرشد أهل الأحساء إلى هذه الطريقة هو خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، إذ إن عامله على الأحساء كتب يشكو له من قلة خصب الأرض هناك فبعث يقول له: أحرقها، فلما أحرقها ازداد خصبها، وصارت هذه الطريقة مستعملة إلى وقتنا هذا، فعجبت من أني كنت أسمع في مصر أن طريقة حرق الأرض هي نتيجة تجارب وأبحاث فنية حديثة. ويلاحظ أنه بعد هذا الحرق يكون البرسيم في هذه الأراضي جيدا جدا، فتتغذى به المواشي والحمير والأغنام. أما الخيول فهي نادرة جدا عند الأهالي، ولا حاجة لهم بها حيث يستعملون الحمير في الانتقال والنقل وإدارة السواقي التي قد يحتاجون إليها بعض الأحيان في سقي الزرع والبساتين.

* ديمقراطية وأمن وأخوة

* وخلافا لما سجله من دراسة عن شؤون الخيل التي كانت مهمته الخاصة في الرحلة، إلا أن المؤلف الدكتور أحمد مبروك أورد مشاهدات عامة أثناء الرحلة وخصوصا رحلته إلى نجد.

«لما أن قضيت من مكة بعض حاجتي، وشفيت النفس قبل الرحيل بزيارة أماكن لها في نفس كل مسلم محبة وإعزاز، أعددت حقائبي واستقللت السيارة قاصدا الطائف، والطريق من مكة إلى الطائف طريق صخري ضيق بين جبلين كثير المرتفعات والمنخفضات قد يبعث إلى النفس الضيق والملل، لولا أن تقع العين بين حين وآخر على بعض أشباه الواحات الصغيرة تحوي كثيرا من النخيل وقليلا من أشجار الفاكهة، ولولا أن مرور بعض القوافل الذاهبة إلى الطائف أو القادمة من مكة تبعث فيه شيئا من الإيناس وتعيده إلى الحياة، ظلت محركات السيارة تعمل نحو خمس ساعات في هذا الطريق، وكثيرا ما كانت تعبث بها المرتفعات والمنخفضات، حتى لاحت للعين أخيرا مباني الطائف تحف بها أشجار النخيل ضاربة في أجواز الفضاء يداعب سعفها هواء هذا الصيف الجميل فتتمايل في وقار وتؤدة.

وقد استقبلنا في الطائف الشيخ صالح القزاز وكيل المالية هناك، ورحب بنا ترحيب العرب الكرام، وأنزلنا في منزل الشيخ محمد الصبان طول مدة إقامتي بالطائف، إذ ليس بها فندق واحد على رغم أنها مصيف الحجاز، وأن سكانها يزيدون على العشرين ألفا.

ومباني الطائف في مجموعها مثل كثير من البيوت القديمة المنتشرة في أنحاء مصر، ولا بد من أن يحتوي المنزل على مضيفة وحريم وساقية أو بئر يأخذ منها أهل المنزل حاجتهم من الماء، والمضيفة عند كبار أهل الطائف عبارة عن (دوار العمدة) في مصر، وهي معدة للأضياف خاصة، وبها كل أسباب راحتهم.

وفي الطائف بعض القصور العظيمة كان يملكها بعض الأثرياء، ولكن الحروب لم تبق على شيء منها عدا قصر شبرا الذي بناه الشريف علي على غرار قصر ساكن الجنان المغفور له بإذن الله محمد علي باشا الكبير بشبرا مصر وسماه باسمه، وهو باق للآن ينزل به الملك أثناء إقامته بالطائف، كما أن بها مسجد ابن عباس، وهو مسجد رحب مساحته نحو فدان من الأرض وبه قبره يحرسه جنديان لمنع الناس من زيارته، ولا بأس به من الناحية الفنية، وقد داخلني بعض الشيء لمنع الناس من زيارة قبر حبر من أحبار هذه الأمة، فضلا عن ابن عم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ولكني لما ذهبت إلى العراق، ورأيت غلو بعض جهلاء الشيعة في حب آل البيت وزيارتهم قبورهم بشكل غير لائق، التمست العذر لابن سعود في ذلك.

وأرض الطائف بها مساحات كبيرة صالحة للزراعة وإنبات كثير من الخضراوات والفواكه لو توفر لها الماء اللازم، لأن وسائل الري هناك قليلة أو في حكم العدم، فهي لا تخرج عن السواقي، وهي هناك متعبة جدا، وليست كما هي في مصر، أو بعض العيون الفوارة تروي ما حولها من الأرض، وهذه لا يملكها إلا كبار الأغنياء، إذ يرتفع ثمن الأرض كلما قربت من عين فوارة، وقد حاولوا تجربة السواقي الحديدية على هذه الآبار فأتت بنتائج مرضية، بيد أنها كثيرة النفقات.

أقمت بالطائف خمسة عشر يوما شاهدت أثناءها خيول الأمير فيصل ووزير المالية، وحضرت السباق الذي يعقد كل يوم جمعة بعد صلاة العصر، وكنت أجتمع بسمو الأمير فيصل في فترات قريبة أطلعه على مشاهداتي في الخيول وملاحظاتي عليها، فكان يتفضل فيعيرها اهتمامه، وقد تفضل فدعاني لزيارة خيوله في الخرمة كما تحدثت فيما سبق.

وكان من أظرف ما شاهدت سباق أصيل أقيم يوم جمعة تبارى فيه بعض الأمراء وأتباعهم من الخدم، وكان سباقا ظريفا حقا إذ كان أشبه بلعبة (البولو)، وكان الراكبون مهرة في الروغان والكر والفر، ولعلك تدهش إذ ترى الأمراء ينازلون الخدم والأتباع، كما يحق لك أن تدهش إذ تعلم أن ذلك ليس قاصرا على السباق فحسب، بل هو أيضا في كل شيء، فهم يسايرونهم ويجالسونهم ويؤاكلونهم، ويثير عجبك حقا أن ترى أولئك الخدم لا ينسون أنهم خدم، وأنه لا يداعبهم الغرور، وذلك من غير شك راجع إلى ما أفادوه من حميد الأخلاق وجميل الصفات من سادتهم.. وذلك راجع كله إلى الديمقراطية الصحيحة التي تسود ربوع المملكة العربية السعودية.

ولا يفوتني هنا أن أنوه بروح الإخلاص والإخاء والثقة المتبادلة بين كل أفراد الشعب الحجازي، وحبهم للملك ابن سعود وحكومته وطاعتهم له ولرجاله طاعة مطلقة لا مناقشة فيها ولا مراجعة، حتى إنه من الظواهر البديهة التي شاهدتها أن استدعى الأمير فرقة من الجند غير النظاميين لفض نزاع بين قبيلتين، فلما مثلوا بين يديه نظر فيهم ثم استدعى واحدا وقع نظره عليه وانتدبه لقيادتهم، فما بدرت على واحد منهم بادرة من نقد أو اعتراض أن خص هذا بالرئاسة دون ذاك، بل كانوا كلهم له إخوانا وجنودا أمناء، كما لفت نظري ما يسود بلاد الحجاز من أمن، حتى إن كل التجار يتركون حوانيتهم أثناء الصلاة مفتوحة أو مرسلة عليها ستائر خفيفة تنبئ أن صاحب المتجر غائب ثم لا تحدث حادثة سرقة، وكل ذلك على الرغم من أن الشعب لا يزال غير متعلم، وحتى التعليم الابتدائي غير منتشر.

ولما أن قضيت من الطائف لبانتي، وحصلت على ما يساعدني في مهمتي، أخذت أعد العدة للرحيل إلى نجد، ولقد كان يسعدني أن أوفي الكلام عن الرحلة إلى نجد، ولكني أضع هنا هيكل هذه الرحلة مجتزئا بقدر الإمكان.

والطريق من الطائف إلى الرياض، وفي تسميتها بالطريق كثير من التجوز، إذ هي ليست معبدة ولا لها حدود مرسومة ولا أوضاع معلومة، وإنما هي مهارة الدليل يهتدي بالنجم ويتقفى الأثر كما كان يفعل آباؤه الأولون، طولها نحو ألف كيلو متر تقريبا تقطعها السيارة في خمسة أيام إن لم يصبها أذى أو عطل كثيرا ما يحدث، وتقطعها الجمال في نحو العشرين يوما أو أكثر، ولا تعثر بين الطائف والرياض على غير فرق الرعاة ضاربة بين أطواء الصحراء ومهامه الفلاة عند مظان الماء والعشب.

ولا بد للمسافر في الصحراء من أن تصحب سيارته سيارة (لوري) تحمل البنزين والمؤونة والأرز والقهوة أو الشاي والدليل وأربعة رجال منهم اثنان مساعدان للسائق وطاه وقهوجي، فهؤلاء عدا أعمالهم يقومون بعملية الإنقاذ عندما تغوص العجلات في الرمال أو يطرأ على السيارة خلل.

ولا داعي في هذه الطريق لحمل كثير من المؤونة، عدا ما يلزم من جبن وزيتون وبقسماط، فإن اللحوم كثيرة يحصل عليها المسافر ممن يصادفه من الرعاة، إذ يشتري الخروف الأوزي بما يعادل ثلاثين أو أربعين قرشا مصريا.

تحركت سيارتنا وملحقها باسم الله مجريها، ثم ذمة دليلنا الماهر المجرب مرساها، وهبت علينا ريح الصحراء هادئة منعشة، وضمنا صدرها في حنان ورقة، وأسلمت رأسي للتفكير والتأمل، وما أحسن معاونة الصحراء على التفكير والتأمل! وكان أول محط لرحلتنا بعدما قمنا من الطائف عند منطقة يقال لها (عشيرة)، وبها آبار عدة ماؤها عذب وغزير، يحيط بها بعض الشجر يكسبها شيئا من الجمال، وهي طيبة المناخ يحبها كثيرا جلالة الملك ابن سعود ويمضي بها بعض أيام راحته، وهي ملتقى الطريق للقادم من مكة إلى الرياض والقادم من الطائف إلى الرياض، تبعد عن الطائف 150 كيلومترا، وقد قضينا بها ليلة وتزودنا بالماء، وقمنا عند الفجر فوصلنا إلى منطقة يقال لها أمية (المويه) في الضحى، وبها كذلك آبار وحولها بعض بيوت من الشَّعر للبدو الرحل، ومحطة للبنزين، واستراحة مؤلفة من بضع غرف ليس بها فراش ولا أثاث، ومساكن لبعض الحراس.

نزلنا أمية (المويه) واشترينا حملا من رعاة كانوا يستقون من البئر أعد لنا منه طعام الغداء، وبقيت بقية أعدت للعشاء، وقد راقني أن أدعو بعض أولئك البدو للغداء معنا والتحدث معهم علنا نفيد شيئا من معلوماتهم، ولكن كان من الصعب التفاهم معهم لغرابة لهجتهم وتباين ألفاظهم.

وبعد صلاة العصر، رحلنا إلى (الدفينة) فوصلنا عند الغروب وألفينا عمال الزكاة وعليهم أمير يدعى (البواردي)، وما إن علم بوصولنا حتى أرسل لنا بهدية (خروف كبير)، فرأيت من اللياقة أن أزوره لشكره على هديته، فزرته وأديت معه فريضة المغرب وشكرته وانصرفت.

وقد يكون طريفا أن يعلم القارئ أن الزكاة تجبى في البادية بواسطة إرسال دعاة يجوسون خلال الصحراء ومظان وجود الرعاة فيعلمونهم باليوم المحدد لحضور أمير الزكاة في المنطقة لأخذها، وهم من تلقاء أنفسهم يذهبون بزكاتهم إليه عن خاطر طيب ورغبة صادقة لا يتخلف منهم أحد.

وبعد أن قضينا ليلتنا في (الدفينة) غادرناها في الصباح المبكر فمررنا بعفيف ولم نجد في بئرها ماء فواصلنا السير إلى (الضبعة)، فوصلناها بعد الظهر، وكانت مراحل شاقة حقا، وألفينا على بئرها رعاة يسقون، وعرض علينا شيخ منهم شيئا من اللبن بادلناه عليه بشيء من الدخان، تناولنا الغداء عند هذه البئر وواصلنا السفر إلى (الدوادمي) فوصلناها عند الغروب، وبها محطة بنزين ومحطة تليفون لاسلكي ألفينا بها إشارة من جلالة الملك بالسؤال عنا، فبادرت بإرسال برقية شكر لجلالته، وحططنا رحالنا وتناولنا العشاء وقضينا ليلتنا في هذه البقعة الجميلة، وقمنا مبكرين فوصلنا إلى الخف (خف) نحو الساعة العاشرة فألفينا بئرها نازحة، وقد يكون من الطريف أن نذكر أن البئر إذا كانت نازحة فإن الأعرابي لحاجته إلى الماء يضع ابنه في الدلو وينزله إلى البئر ليملأه ثم يخرجه ثانية بواسطة الدلو، وأخيرا بذلنا ما وسعنا من الجهد حتى حصلنا على ماء للسيارات، وتوكلنا على الله في اجتياز أصعب مرحلة في رحلتنا وهي منطقة النفود، وكلها مرتفعات ومنخفضات من الرمل الناعم، وكثيرا ما تغوص العجلات في الرمل خصوصا إذا أقبلت السيارة على مرتفع، وقد غاص منا (اللوري) ثلاث مرات في هذه المنطقة، شمرت فيها عن ساعد الجد وتعاونت مع رجالي في إنقاذ السيارة... وقد حزت بذلك على إعجاب رجالي وثنائهم علي بأنني بدوي الأصل.. وقد وفقنا الله للخلاص من هذه المنطقة، وإن كانت إحدى (السوستات) تعطلت، وإحدى مواسير المياه كسرت، ولولا وجود ماء كاف معنا ما كان لورطتنا إلا الله.

* لقاء الملك المؤسس

* ثم يواصل المؤلف وصفه للرياض قبيل الوصول إلى قلب المدينة بقوله: «بين هاتيك الوهاد التي لا يحدها طرف، والتي ظللنا بين أطوائها خمسة أيام معا، يلفحنا فيها هواء الصحراء الحارة، وشمسها المحرقة نهارا، ويتسلل إلى أجسامنا بردها ليلا، لم تقع أبصارنا فيها على عمران، لاحت لنا مروج الرياض بخضرتها الناضرة كأنها الأمل الحلو جاء بعد طول انتظار.. وكلما قربنا من الرياض بدت لنا الخيام المضروبة في ظاهرها لنزول البدو القادمين لزيارة عاهل العرب العظيم، وأخذ عطاياه ومنحه التي عودهم منحها في كل عام منثورة هنا وهناك.

وفي الساعة السابعة صباحا دخلنا الرياض، ومن ثم يممنا وجوهنا شطر قصر العاهل العظيم الذي يقع في الجهة القبلية الشرقية، وما كدنا نقترب من بابه الخارجي حتى ألفينا أحد الحجاب في استقبالنا، فحيانا وهنأنا بسلامة الوصول، وقادنا إلى منزل خاص أعد لنزولنا في الجهة البحرية للبلد.

وصلنا إلى مثوانا، وهو منزل فسيح مكون من طابقين، ومبني باللبن (أي الطوب النيئ) كباقي مباني الرياض، وألفينا به خدما خصوصيين من طاه إلى سقاء إلى نادل، وعليهم رئيس يشرف على ما يقومون به، دلفنا إليه وقادني خادم إلى غرفتي كما قاد أتباعي إلى غرفهم، واستقر بنا النوى بعد هذه الرحلة المرهقة، وبعد أن استرحت قليلا وأبدلت ملابسي قدم إلي رسول جلالة الملك يدعوني للتشرف بمقابلته فتوجهت معه».

ويعطي المؤلف وصفا للقصر الملكي أثناء لقائه الملك فيه: «والقصر الملكي كما قلنا يقع في الجهة الشرقية القبلية البحرية، وهو مكون من طابقين وعدة أجنحة، رحب الجنبات متسع الفناء، قادني الرسول حتى قاعة الانتظار فألفيت حضرة السيد رشدي أفندي (رشدي بن صالح ملحس) السكرتير المساعد في انتظاري، وظل يتبادل معي الحديث عن صحتي ورحلتي حتى انفض مجلس البدو من لدن جلالة الملك، ومن ثم استدعيت إلى مجلس جلالته الخاص، وما كدت أدلف من الباب حتى تفضل باستقبالي واقفا، وصافحني بحرارة وقوة، وأجلسني على أريكة بجانبه.

بدأ جلالته حديثه معي بالسؤال عن صحة حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون، فأجبته بأنها - والحمد لله - بخير، ثم قال جلالته إنه يعد سمو الأمير في مقدمة أمراء الشرق العاملين على خير الإسلام والعروبة، وأثنى جلالته على جهود سموه ثناء مستطابا، ثم تلطف فسألني عن شعوري في رحلتي وأثرها في نفسي، مشيرا إلى أن الطريق بها شيء من الصعوبة.

فقلت: يا مولاي إن تشرفي بهذه المقابلة أذهب عني كل تعب، وإن هذه الرحلة تركت في نفسي أجمل أثر، وسيظل لها في نفسي ما حييت أجمل الذكريات.

قال جلالته: لعلك لم تشعر بضيق لمظاهر بلادنا البسيطة، فإننا نرجو أن يحكم زائرونا علينا بقلوبهم لا بما يرون من مظاهر.

قلت: إن المصريين جميعا - يا مولاي - ينظرون إليكم وإلى أعمالكم الإصلاحية المنتجة للإسلام والعروبة بكل إكبار وإجلال، وإن ما يلهج به حجاج بيت الله في كل عام من الثناء عليكم لأكبر دليل على ما تبذلون من جهود في راحتهم وأمنهم، كما أن هذه البساطة التي تسود كل شيء في بلادكم هي التي تزيد كل شرقي حنينا وحبا لبلادكم، وإني لأشكر الله أن أتاح لي أن أزور مواطن أفتخر أن تكون مواطن آبائي وأجدادي.

قال جلالته: لعلك لم تصادفك صعوبة في طريقك؟

قلت: إن ما لقيته من كل رجال حكومتكم وعمالكم من إكرام ورعاية لم يجعلني أصادف أي صعوبة، وإن كان ذلك ليس بعجب، فإن ما عرف عن العرب من الكرم في غنى عن كل ثناء.

قال جلالته: ألم تكن لك ملاحظة على شيء خلال رحلتك بين نجد والحجاز.

قلت: إن كل شيء في نجد والحجاز يدعو إلى الغبطة والابتهاج، وخاصة تلك الديمقراطية السائدة، وذلك الأمن الشامل الذي لم أر له نظيرا في أي بلد آخر، فتفضل جلالته وغمرني بعطفه وجميل رعايته.

ولما أعلمه من تقاليد العرب عن عدم مفاتحة الضيف في مهمته قبل ثلاثة أيام الضيافة استأذنت في الانصراف.

في المساء، تفضل كثير من حاشية جلالة الملك بزيارتي في منزلي، أذكر منهم السيد رشدي وهو سوري الأصل، والسيد محمود الجاسور وهو مصري الأصل، وهما السكرتيران المساعدان، وخالد بك الحكيم المستشار الحربي، ومحيي الدين بك الطبيب الخاص، والدكتور الشواف طبيب الأشعة، والشيخ محمد صالح نصيف، والشيخ محمد صالح القزاز، والشيخ بكر وهم من الحجازيين المتعلمين ومن كبار موظفي وزارة المالية، وقد جاؤوا من الحجاز للتشرف بمقابلة الملك في طريقهم إلى الأحساء في مهمة مالية.

والرياض هي عاصمة البلاد النجدية، وسكانها نحو الأربعين ألفا، وبها سوق تجارية كبيرة لمختلف السلع، خصوصا للإبل التي يأتي بها البدو من مختلف الجهات، سواء إن كانت للنقل، أم الذبح، أم التصدير إلى شتى البلدان، أم الركوب فقط، كالهجين التي يعنون بتربيتها كما كانوا يعنون بتربية أصايل الخيل، وبعد أن يتجر البدو في السوق يذهبون للتشرف بمقابلة جلالة الملك وأخذ عطاياه التي تصرف لهم بمعرفة وزير خاص للبدو يعرف كل البدو تقريبا وقبائلهم وأنسابهم، وبعد أن يقيموا ثلاثة أيام في ضيافة الملك يصرف لكل بدوي كسوة من القماش ومبلغا من النقود يتراوح بين الخمسين والخمسمائة ريال سعودي، ويفد على القصر يوميا نحو ثلاثة آلاف بدوي.

برنامج الملك وفي اليوم الثاني أخلدت إلى الراحة بعد هذا الجهد، وقد تفضل جلالة الملك فأوفد إلى السيد رشدي أفندي للسؤال عني، وتجاذبت وإياه أطراف الحديث، فسألته كيف يقضي جلالة الملك يومه؟ فأجاب:

إن جلالة الملك يستيقظ مبكرا فيؤدي فريضة الصبح، ثم يظل يقرأ القرآن حتى موعد إفطاره فيتناوله، ثم ينتقل إلى الجناح الرسمي، فيعقد مجلس البدو، يستقبلهم فيه وينظر في شؤونهم، ثم ينتقل إلى مجلس عام يستقبل فيه جميع الأضياف، من غير استئذان ولا (بروتوكول)، وفي هذا المجلس يقرأ السكرتير على جلالته آخر الأنباء عن كل بلاد العالم، سواء تلقاها من الراديو أو من الصحف وقد حضرت هذا المجلس العام، وأدهشني ما رأيته من إلمام جلالته بكل الشؤون العامة تساعده ذاكرة قوية، وحافظة واعية، حتى إذا ما عرضت مناسبة لحادثة معينة أتبعها بذكر أصلها الذي ترتبت عليه وإن مضت على ذلك سنوات.

وبعد أن ينتهي ذلك المجلس العام ينتقل إلى مجلس خاص ينظر فيه في شؤون الدولة ويقابل رجاله الذين يعرضون ما لديهم من مسائل يقطع فيها برأيه، وبعد أن ينتهي من أعمال الدولة يؤدي فريضة الظهر وينتقل إلى جناحه الخاص فيقابل الأمراء وآل بيته، ثم يتناول طعام الغداء ويقيل، وبعد أن يأخذ قسطه من الراحة يؤدي فريضة العصر، ثم يخرج إلى البديعة، وهي واحة جميلة تبعد عن الرياض نحو عشرة كيلومترات، وبها حدائق غناء يملكها جلالة الملك، يتوسطها قصران، أحدهما للأضياف والثاني لآل بيته، يمضي بها وقت الأصيل في أكثر الأحيان ثم يعود إلى الرياض.

وقد تفضل جلالته فدعاني للعشاء على مائدته الخاصة في قصر البديعة فتوجهت إليه قبل الغروب، فألفيت جلالته جالسا أمام القصر في مجلس خلوي بين كثير من أمراء العرب من آل الدويش وآل الرشيد وآل معمر وأمراء قحطان، فتلقاني جلالته هاشا وأجلسني بجانبه، وتفضل فقدمني إلى بقية الأمراء، وظل يتبادل حلو الحديث مع الجالسين في بساطة ولباقة، وكانت تبدو على الجميع دلائل الغبطة وأمارات السرور بما وفق إليه ابن سعود من لم شمل العرب وجمع أمرائهم على كلمة واحدة، وإزالة الضغائن التي كانت تجعلهم دائما في شقاق وتناحر، ويرتبط بهم بصلات النسب، ويقربهم إليه بشتى الوسائل.

وبعد أن أدينا جميعا فريضة المغرب واكتمل عقد المدعوين، صعدنا إلى أعلى القصر حيث مد سماط المائدة، وهو سماط كبير يسع نحو مائة مدعو، وقد صفت عليه جفان كبيرة ملأى بالأرز، وعلى كل جفنة حمل، حولها صحاف، من الأطعمة من أصناف الخضراوات ولا يحصرها عد، فجلس جلالته على رأس المائدة وأجلسني إلى جانبه، وجلس باقي المدعوين وأخذنا نتناول الطعام، وكان جلالته يحيينا ويبالغ في إكرامنا في رقة وظرف، وظل جلالته يتظاهر بالأكل حتى امتنع كل المدعوين، وبعد أن انتهى من طعامه أتى له بشيء من لبن الإبل تناوله عقب طعامه.

غسلنا أيدينا وعدنا إلى مجلسنا الأول، وأديرت علينا أكواب القهوة النجدية البديعة تفوح روائحها الزكية، وأحضرت مجامر البخور فعطرت جو المكان، ثم الشاي، وبعد أن تبادلنا كثيرا من الأحاديث أحضرت قهوة ثانية، وهذه عند العرب تكون إيذانا بانصراف الضيوف فتناولناها واستأذنا في الانصراف.

وفي اليوم الرابع، استأذنت على جلالته في مجلسه الخاص، وفاتحته في مهمتي، وأفضى إلي بما دونته في تقريري، وتفضل وهيأ لي رحلة إلى واحة الخرج التي استعرضت فيها خيوله الخاصة على ما ذكرت فيما سبق، وانتهزت فرصة بعد ظهر أحد الأيام وذهبت لرد زيارة من تفضلوا بزيارتي، وقد دعاني الدكتور القاوشجي طبيب الأشعة لزيارة عيادته في داخل القصر، وهي مجهزة بأحدث آلات الأشعة من مختلف الأنواع من حمراء وبنفسجية وقصيرة، ورأيته يعالج مرضاه الكثيرين في دقة وعناية بنجاح تام، وسررت جدا إذ رأيت العلم الحديث يغزو كل بقاع الدنيا، كما زرت أيضا محطة اللاسلكي التي تقوم بقبول الرسائل البرقية إلى مختلف الجهات، ومنها أرسلت تحية جلالة الملك ابن سعود إلى حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون.

الملك عبد الله يعيد الخيل العربية إلى مكانتها أعاد الملك عبد الله بن عبد العزيز وضمن اهتمامه الدائم بالفروسية وتكريسا لاتصاله بالخيل ومهارته في امتطائها ومعرفته لصفاتها وخبرته بحركاتها وسكناتها وعنايته بأصولها وأنسابها وإحياء لكل ما له علاقة بالبيئة العربية ومن ضمنها الفروسية كأحد أبرز ملامحها، أعاد إلى الخيل مكانتها في المجتمعات العربية قبل الإسلام وبعده، عندما وجه بالبحث واقتناء وإنجاز دراسة وتوثيق مخطوطة نادرة عن أصول الخيل العربية، دونت فيها معلومات وافية عن الخيول التي أهدى معظمها الإمام فيصل بن تركي من حكام الدولة السعودية الثانية إلى عباس باشا الأول والي مصر ابن طوسون بن محمد علي الذي حكم مصر من عام 1870م إلى عام 1876م وكانت تربط بينهما علاقات صداقة ووفاق.

وتوطدت العلاقة بينهما أثناء قيام الإمام فيصل بن تركي (الذي كان له اهتمام بالخيل ومعرفة كبيرة بأصولها وأنسابها) بتزويد عباس باشا (الذي كان هو الآخر يبذل الغالي والنفيس في سبيل الحصول على الخيول الأصيلة) بهذه الخيول ويساعده في الحصول على غيرها.

وأنجزت مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض دراسة وتوثيق مخطوطة عباس باشا عن أصول الخيل العربية حيث تمثل المخطوطة أحد المصادر القليلة التي تتحدث عن أصول الخيل العربية وأنسابها في القرون الماضية.

وجاء هذا المشروع في مجلدين أحدهما نسخة مماثلة من المخطوطة كتبت بخط نسخ متقن، واستخدم في الصفحات الأول منه شيء من التذهيب، وتقع المخطوطة في 571 صفحة، في حين حمل المجلد الثاني دراسة المخطوطة التي راجعها وعلق عليها كل من الدكتور عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان والدكتور عبد العزيز بن محمد الفريح، وفايز بن موسى البدراني.

وقال لـ«الشرق الأوسط» المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة فيصل بن عبد الرحمن بن معمر إن مكتبة الملك عبد العزيز العامة منذ إنشائها تحظى برعاية كريمة من لدن مؤسسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وقد وضعت المكتبة ضمن أولويات أنشطتها الثقافية والاجتماعية العناية بالتراثين العربي والإسلامي، وكل ما يحفظ الإرث الاجتماعي والثقافي للعرب والمسلمين، وفي هذا الخصوص حرصت المكتبة على اقتناء وتنظيم مجموعة كبيرة من المصادر والمراجع الخاصة بالفروسية تضم مخطوطات وكتبا ومقالات باللغة العربية واللغات الأخرى، ملمحا بأن الملك عبد الله قد وجه قبل سنوات بإقامة مركز دراسات الفروسية بالمكتبة، تكريسا لاهتمامه الدائم بالفروسية الذي لا يخفى على أحد، ولأن المكتبة حملت على عاتقها البحث عن مصادر الحضارة العربية والإسلامية وخاصة المخطوطات النفيسة التي تدون بعضا مما فقد أو اندثر مع مرور الأيام والسنين، فقد أكملت المكتبة تواصلها العلمي، وقدمت للقارئ وللمكتبة العربية مخطوطة (أصول الخيل العربية) لعباس باشا الأول، حيث وجه الملك عبد الله بالبحث عن المخطوطة، وضرورة اقتنائها، ومن ثم تحقيقها ودراستها وطباعتها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال