الاربعـاء 07 رمضـان 1431 هـ 18 اغسطس 2010 العدد 11586
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

محمد الكحلاوي.. نغم رمضاني يسبح لله

بعباءته البيضاء الصافية.. تسلل إلى القلوب ليعقد صداقة بين الفن والإيمان

رجل يتلو آيات من القرآن الكريم في أحد مساجد القاهرة أمس،وذلك قبل انطلاق مدفع الإفطار (أ. ب)
القاهرة: محمد فتحي يونس
رغم مرور ما يقرب من ثلاثة عقود على رحيل مداح الرسول، محمد الكحلاوي، فإن أنغامه وبصمة صوته لا تزال تداعب المشاعر، وتتسلل إلى القلوب لتعقد صداقة وطيدة بين الفن والإيمان.

أكثر من 600 أغنية أنشدها الكحلاوي في مدح الرسول، والتسبيح لله والدعوة إلى التدبر والتأمل في صنعه، وهي في مجملها ما يزيد على نصف إنتاجه الفني الذي بدأه عقب سنوات طويلة من مولده عام 1912، بضاحية منيا القمح في محافظة الشرقية.

«مداح الرسول».. هكذا اشتهر محمد مرسي عبد اللطيف، المعروف بمحمد الكحلاوي، ماتت أمه أثناء ولادته، وبعد فترة وجيزة لحق بها أبوه، فعاش في كنف خاله محمد مجاهد الكحلاوي، في حي باب الشعرية العتيق بوسط القاهرة. كان الخال فنانا يغني في كورس الشيخ سلامة حجازي، المطرب الشهير في النصف الأول من القرن العشرين، أطل من نافذته على فنون الغناء والموسيقى، وخلال تلك الفترة دخل إحدى مدارس الراهبات، وتلقى تعليمه وحفظ القرآن الكريم، وقواعد اللغة، فتنوعت روافد شخصيته وثقافته، ولما كان عذب الصوت يملك موهبة تفوق موهبة خاله، كان الطريق مفروشا بالورود ليتألق في دنيا الغناء.

والخطوة الأولى بدأت بسهرة قادته قدماه فيها إلى حديقة الأزبكية الشهيرة بالمسارح وأماكن اللهو بمرافقة أصدقائه، وهناك تغيب المطرب الرئيسي لإحدى الفرق، فعرض عليه صاحبها أن يشارك بالغناء مكانه لينقذ الموقف، نجح الكحلاوي الذي أخذ لقبه من اسم خاله، كما كانت أغنيات خاله هي زاده في تلك الليلة، استقبله الجمهور بحفاوة، عرض على مسؤولي الفرقة السفر معه إلى الشام لأسابيع في رحلة فنية. عادت الفرقة في ميعادها، لكن الكحلاوي استمر لثماني سنوات، عاد بعدها إلى مصر وبحوزته 38 ألف جنيه، وهي ثروة كبيرة بمعايير الثلاثينات، وإلى جانب النقود، نهل الرجل من ثقافة الشام ولغته ولهجاته الكثير، وشكلت حصيلة الرحلة الثقافية والمادية والفنية إضافة إلى موهبته منطلقا لبزوغ نجمه في مصر.

عقب العودة، تخصص الكحلاوي في الغناء البدوي، أتقن لهجاته في الشام، كما شكل مع الملحن الكبير زكريا أحمد وشاعر العامية الفذ بيرم التونسي، ثلاثيا فنيا لافتا حقق نجاحات ملموسة.

سرعان ما دخل عالم السينما وتخصص في النوع البدوي أيضا، بل ودشن شركة إنتاج سماها «القبيلة»، كانت حصيلة رحلته السينمائية أكثر من 40 فيلما، منها «الزلة الكبرى»، «أحكام العرب» و«يوم في العالي» و«أسير العيون» و«بنت البادية».

بالتوازي مع نجاحاته السينمائية، انتقل الكحلاوي إلى مرحلة غنائية أخرى، وهي الغناء الشعبي، ليكون رائدا من رواده الأوائل، ويضع أساسات صرح عظيم ساهم في استكمال أركانه أسماء لامعة بعده، مثل محمد قنديل ومحمد رشدي وكارم محمود.

وبعد تحقيقه شهرة ضخمة ونجومية لافتة، انتقل إلى الغناء الديني، ليتواكب مع انقلاب جذري في حياته ودع فيه حياة اللهو، وتفرغ للعبادة والاعتكاف وصبغ حياته بملمح صوفي لافت.

وفي غنائه الديني تجمعت روافد كثيرة، أعطته لونه خاصا، فالكحلاوي جمع بين تراث المنشدين الغارق في القدم وبين ثقافته الموسيقية الرفيعة، فكان أول من نقل الغناء الديني إلى حيز النوتة الموسيقية، بل امتزجت روحانيات مسجد الشعراني، حيث تربى ودرس القرآن، بنغمات كبار الموسيقيين، حيث كون وجدانه الموسيقي، كما اعتبر الغناء نوعا من التقرب إلى الله، فكان يعتكف أياما في مساجد الأولياء، قبيل إتمام لحن جديد يمد به الرسول صلى الله عليه وسلم، رافضا أن يمدح مخلوقا غيره، بل كان أهم أحلامه أن ينقل إنشاده إلى عالم المسرح، فيدشن ما يشبه الأوبرا بصبغة إسلامية.

اتخذ الغناء الديني مع الكحلاوي أبعادا جديدة، فدبت كلماته وأغانيه وألحانه كبناء روحي يقاوم الزمن، يرتلها الهائم في حب الرسول، المتعلق بآيات الخالق، تتحرك الشفاة سعيدة بحروفها وكلماتها الأثيرة، «لأجل النبي لأجل النبي».. أو «أنا جيت أزورك يا نبي وأقول مدد.. شاهدت نورك يا نبي زاد المدد».

وما أحلى أن يدندن المرء في لحظات صفائه: «عليك سلام الله.. يا خير خلق الله..

عليك سلام الله.. يا رسول الله»، أو يتغنى بـ« هو رب العزة رب القوة هو الخالق اسمه يهز الروح من جوه.. ذكره يملا قلوبنا قوة.. هو الله». وبمرور الوقت، تزداد أغاني الكحلاوي توهجا وروحانية.. وتطل صورته من بين سطورها، مبتسما بعباءته البيضاء الصافية.. يعين الصائم على صومه.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال