الاثنيـن 28 صفـر 1433 هـ 23 يناير 2012 العدد 12109
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ميدان العتبة.. مفتاح أزمنة القاهرة

باعه أحمد مظهر إلى إسماعيل ياسين في فيلم سينمائي شهير

مكتب بريد العتبة «البوسطة» يعد من أقدم معالم الميدان، وقد اكتسى حديثا بحلة جديدة («الشرق الأوسط»)
القاهرة: داليا عاصم
على عكس المعتاد تخطفك بهجة الزحام على الرغم من قسوته، وأنت تقف في ميدان العتبة الشهير في قلب القاهرة، وسوف تضحك كثيرا حينما يحضرك المشهد الذي يقوم فيه الممثل الكوميدي الشهير إسماعيل ياسين بقياس الميدان أمام مبنى المطافئ الأثري في فيلم «العتبة الخضرا» للمخرج فطين عبد الوهاب، حينما أقنع أحمد مظهر (المحتال) «سمعة الصعيدي» بشراء العتبة الخضراء بما فيها حتى الترام.

لكن المشهد الذي لا يمكن لمخرج أن يسيطر على أبطاله يتجسد واقعيا بشكل يومي، في بشر يهرولون من كل اتجاه، حتى تكاد تحسبهم يهربون من مارد جبار، أو أنهم لا يعرفون إلى أين يتوجهون! أصوات الباعة في كل الأركان تدلل على بضائعها في موجة لا تنتهي من الشد والجذب والفصال بينهم وبين الزبائن، فقد أصبح الميدان أسيرا لميليشيات الباعة الجائلين الذين يسيطرون على منافذه بشتى أنواع البضائع من الإبرة للصاروخ، وبأسعار زهيدة جدا سواء لعب أطفال أو زهور الزينة أو ملابس مستوردة ومحلية أو ساعات يد وحائط، فما إن تخرج من محطة مترو أنفاق العتبة حتى تجد نفسك مدفوعا بقوة طوفان بشري، لا يكف عن اللهاث.

احتفظت العتبة بكونها مركزا تجاريا حيويا منذ عهد الخديوي إسماعيل، فكان زائرها في بدايات القرن العشرين يشاهد كرنفالا آخر، فهو يرى أجانب من جميع الجنسيات يتسوقون وهم يرتدون أبهى الملابس، وسيدات المجتمع المصري تميزهن قبعات النهار الفاتنة التي تغازلها الطرابيش الحمراء، تتخلل الصورة عربات الباعة الجائلين وبائعو العرقسوس المثلج، وكذلك الحناطير.

المعماري الفرنسي هوسمان الذي خطط الميدان في عهد إسماعيل منحه ميزة عن كل ميادين القاهرة بل مصر كلها، وهي أنه أصبح مركز القاهرة الجغرافي، فمنه تقاس المسافات من وإلى القاهرة، لأنه يضم مبنى البوسطة (البريد) الرئيسي بمصر، الذي كان يعرف في الماضي باسم مبنى البوسطة الخديوية، وهو أقدم مبنى بريد ما زال موجودا في مصر، وقد بدأ العمل فيه عام 1888. كما انطلق منه ترام القاهرة، كما يقول المؤرخ الدكتور محمد سيد كيلاني: «إنه في أغسطس 1896 أقيمت حفلة تجريبية لإطلاق أول ترام، واصطف الآلاف على الجانبين يشاهدون أول مركبة سارت في العاصمة بقوة الكهرباء، والأولاد يركضون وراءها وهم يرددون: العفريت العفريت». وظلت العتبة مركزا رئيسيا للترام ثم الترولي باص الذي اختفى في السبعينات من القرن الماضي.

وحول تسمية ميدان العتبة الخضراء، يذكر الكاتب الصحافي عباس الطرابيلي في كتابه «أحياء القاهرة المحروسة»: «إنها قبل أن تكون خضراء كانت زرقاء! حيث كان يوجد بيت يطلق عليه العامة (الثلاثة ولية)، وكانت هناك سراية العتبة لصاحبها الحاج محمد الدارة الشرايبي شاه بالأزبكية، ثم تملكها بعده الأمير رضوان كتخدا الجلفي، فجددها وبالغ في زخرفتها بعد عام 1160 هـ، وأقام على مجالسها العالية قبابا عجيبة الصنع منقوشة بالذهب واللازورد والزجاج الملون. ثم اشتراها الأمير محمد بك أبو الدهب، الذي كان اليد اليمنى للمملوك علي بك الكبير الذي استقل بمصر عن السلطنة العثمانية، ثم انتقلت ملكية سراية العتبة هذه إلى الأمير طاهر باشا الكبير، الذي كان ينافس محمد علي بك الكبير على السلطة، ثم تملك السراية قريبه الأمير طاهر باشا الذي ولاه محمد علي نظارة الجمارك، واستمرت السراية بيد ورثته إلى أن اشتراها عباس باشا ثالث ولاة أسرة محمد علي، فهدمها ووسعها وبناها من جديد على أن تخصص لأرملة الأمير طوسون، واستمرت كذلك إلى زمن الخديوي إسماعيل». ويضيف الطرابيلي: «عندما قرر إسماعيل تخطيط منطقة الأزبكية وردم ما بقي من البركة، راح جزء كبير من السراية بسبب هذا التنظيم، ودخل جزء منها في الميدان، لذا سمي بالعتبة الخضراء، وإن بقي منها القصر العظيم الذي أصبح محله المحكمة المختلطة خلف دار الأوبرا القديمة، وبجوار صندوق الدين، الذي هو الآن مقر مديرية الصحة بالقاهرة بجوار مبنى البوسطة العمومية، كذلك يوجد بالميدان التياترو الخديوي (المسرح القومي الآن)».

ووفقا للطرابيلي فإنه من أشهر المقاهي التي كانت في محيط الميدان مقهى «متاتيا» الذي كان برلمانا للثوار الذين مهدوا للثورة العرابية، حيث يلتفون حول الثائر جمال الدين الأفغاني. وكان في الميدان وعلى حوافه المحال الكبرى التي أقيمت على غرار محال باريس، ومنها: «عمر أفندي» و«أوروزدي بك»، و«سليم وسمعان صيدناوي» و«البيت المصري» و«داوود عدس».

ويضيف: «عُرف الميدان في وقت من الأوقات بميدان الملكة فريدة، وذلك بعد زواجها من الملك فاروق، ولكن بعد طلاق الملك فاروق من الملكة فريدة أعيد للميدان اسمه، واختفى الآن اسم (الخضراء)، ربما بسبب اختفاء الخضرة التي كانت موجودة بوسط الميدان. ومن هذا الميدان تم فتح شوارع: محمد علي وعبد العزيز والأزهر وفاروق (شارع الجيش الآن) وكلوت بك وغيرها».

ويتنوع البشر بميدان العتبة كل يسعى إلى غايته، فهذا باحث ينقب عن الكتب القديمة في سور الأزبكية، وسيدة حامل تتهادى متوجهة لدرب البرابرة لشراء مستلزمات «سبوع» طفلها الأول، وها هي فتاة تتأبط ذراع والدتها ومعها ورقة بقائمة طلبات الزفاف وتتشاور مع والدتها بحيرة بالغة حول وجهتهما هل تقصدان الموسكي لشراء الأقمشة، أم حمام الثلاثاء «التلات» الذي يشتهر ببيع الأدوات المنزلية، أم درب البرابرة إمبراطورية النجف والثريات والتحف، أم المناصرة أكبر تجمع للأثاث، وشاب ثلاثيني يتوجه لشارع عبد العزيز، مركز بيع الأجهزة الكهربائية، وشيخ يسير بهوادة متوجها لشارع الأزهر، ورجل يلهث متوجها لميدان الأوبرا يصطحب سائحا ويروي على مسامعه معالم المنطقة. فمن ميدان العتبة يمكنك التوجه إلى شوارع القاهرة جميعها تستمد حيويتها من روح الميدان.

يزدان الميدان بباقة من المباني الشامخة الرائعة المتنوعة الطرز ما بين عصر الروكوكو والطراز الإنجليزي أو الفلورنسي تتحدى سفور المباني الحديثة، ومن أشهر معالم الميدان مبنى «تيرينج» بقبته المعمارية الرائعة الجمال وهو المبنى المصمم على طراز «النيو باروك»، ووفقا لمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي «cultnat» فإن محلات «تيرينج» الشهيرة قام بتشييدها النمساوي فيكتور تيرينج 1912، بمساعدة شقيقيه غوستاف وكونراد بعد أن قاموا بافتتاح أول فرع لهم بمدينة فيينا في عام 1882. وفي عام 1910 جاءوا إلى مصر وتم افتتاح أول فرع لهم بميدان العتبة الخضراء. وكان «تيرينج» يتكون من الداخل من مجموعة من الورش والمحلات الشعبية الصغيرة، لكنه ترك للعتبة شهرتها كمركز لتصليح الساعات.

وكانت المحلات تنافس في أناقتها وجودة بضاعتها محلات لندن وباريس، ومنها محلات «هورنستينز»، و«فيتيل»، و«ليبتون»، بالإضافة إلى البازارات ومحلات المانيفاتورة والرهونات التي كان يملكها اليهود.. هكذا يتذكر جورج ميشيل (77 سنة) أقدم سكان العتبة متنهدا: «هو ده حال الدنيا مفيش شيء بيفضل على حاله، الآن أصبحت حيا شعبيا تماما وعلى الرغم من ذلك تأتي الطبقة الراقية لشراء لوازمها، لأن العتبة معروف أنها أرخص مكان في مصر، ولم يعد الميدان يخلو من الزحام ليل نهار فهو ممتلئ بالناس 24 ساعة».

وتغيرت نوعية البضائع التي تباع بميدان العتبة، فمن أجود أنواع الأقمشة والمنتجات المستوردة من أوروبا، إلى البضائع رخيصة الثمن الآتية من الصين ودول جنوب شرقي آسيا، وبات الميدان قبلة لمتوسطي الحال لشراء ما يلزمهم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال