الثلاثـاء 18 صفـر 1434 هـ 1 يناير 2013 العدد 12453
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

بيروت تستقبل 2013 محتفية بـ«أبو المسرح الحديث» هنريك إبسن

«ديليت» و«تدريب على الطاعة» ثورتان على خشبة واحدة

مشاهد من مسرحية «ديليت» أثناء التدرب على التمارين
بيروت: سوسن الأبطح
فورة لافتة للمسرح اللبناني مع نهاية العام الفائت ومطلع السنة الجديدة. وإذا كانت بعض المسارح غيرت من عاداتها المتراخية واستغلت نهاية العام لتستقدم مسرحيات تعرف سلفا أن بمقدورها تسويقها بقوة، فإن مسارح أخرى أعلنت عن برمجة العام المقبل. ولعل أبرز هذه البرمجات، هما المسرحيتان اللتان ستعرضان في «مسرح مونو» احتفاء بالمسرحي النرويجي هنريك إبسن. الرجل الذي يعتبر أبو المسرح الحديث، يخصص له مهرجان سنوي شهير في أوسلو. وما سيراه اللبنانيون هو بدفع مالي ومعنوي من هذا المهرجان الذي يشجع على اقتباس إبسن في دول كثيرة، ويتابع القيمون على المهرجان هذه النتاجات ليروا كيف يفهم ويترجم هذا المسرحي الثوري على الخشبة، من قبل فنانين ذوي هويات مختلفة.

في الثالث من شهر يناير (كانون الثاني) تبدأ عايدة صبرا بعرض مسرحيتها «ديليت» المقتبسة عن مسرحية «بيت الدمية» الشهيرة لإبسن. وإذا كانت المسرحية التي تعود إلى عام 1878 وصفت في الأصل بأنها محطة مفصلية رائدة، شكلت انطلاقة لحركة تحرر المرأة، فإن هذا الموضوع لم يغب عن ذهن عايدة صبرا التي تتساءل، في الوقت الحالي، عن وضع النساء في ظل المتغيرات العربية الانقلابية الحاصلة.

إبسن الفنان الفذ الذي ركزت أعماله على كشف الزيف وإسقاط أقنعة الكذب المخادعة، عرض من خلال هذه المسرحية لقصة نورا المتزوجة من محام يصبح مديرا لأحد البنوك، لكنه يصاب بمرض يحتاجها لتدبير مبلغ من المال دون أن تؤذي مشاعره. تضطر نوار للاستدانة من صديق زوجها الذي أصبح موظفا في البنك نفسه، دون أن يعلم الزوج بذلك. بظهور صديقة لنورا على خط الأحداث يتبين أن هذه المرأة كانت على علاقة بالرجل المدين، ويكتشف الزوج كذب نورا الأبيض الذي لن يسامحه أبدا، على الرغم من أن قصدها الأساس كان مساعدته في مرضه، دون إحراجه أو إزعاجه. في لحظة اشتداد الأزمة بين الزوجين تعاود نورا مراجعة شريط حياتها لتكتشف أنها كانت باستمرار دمية في خدمة الآخرين دون أن تلتفت لتحقيق ذاتها.

عايدة صبرا الشغوفة بالتطورات التكنولوجية الحديثة التي غيرت أنماط العيش والتفكير، اختارت أربع شخصيات من أصل ثماني في مسرحية إبسن ووضعتها على الخشبة.

مسرحية «ديليت» تجري أحداثها في مقهى؛ حيث يجلس الأشخاص الأربعة متفرقين كل منهم على طاولته وأمامه لاب توب خاص بهم، لكنهم جميعهم يتصفحون الصفحة ذاتها التي تحيل إلى مشاهد تتجسد وسط المقهى. وهذه المشاهد هي لمقاطع من مسرحية إبسن «بيت الدمية». تشرح لنا عايدة صبرا «أنها اعتبرت كراسي المقهى وطاولاته التي تحيط بالساحة المتروكة فارغة وسط المكان (حيث تقدم مشاهد إبسن) بمثابة الكواليس التي يخلع فيها الممثلون الأربعة ملابسهم ليؤدوا مقاطع من «بيت الدمية» فيما تدور نقاشات ملببنة حول ما يحدث داخل المسرحية. لمرة جديدة لعبة المسرح داخل المسرح ستسمح لنا بالانتقال والسفر في الأفكار والأماكن والثقافات والوجع الإنساني الكبير الذي يجمع المخلوقات من النرويج إلى بيروت.

تقول صبرا «حين تعرف نورا أنها أضاعت عمرها هباء سواء في منزل والدها أو في منزل زوجها الذي لم يفهم تضحياتها، تطرق الباب بقوة وترحل. ويقال بأن نورا حين خبطت الباب ارتج العالم لهذه الخبطة القوية، وقامت الدنيا ولم تقعد حينها وضرب المتفرجون الممثلين بحبات الطماطم اعتراضا على جرأة نورا وتمردها على زوجها، مما اضطر إبسن في عروض لاحقة؛ لأن يغير النهاية، ويعيد الزوجة إلى منزلها لتهدئة ثائرة الجمهور».

المتفرج اللبناني إذن على موعد فاتحة العام الجديد مع هذا الكاتب النرويجي المشاكس ليس فقط برفقة عايدة صبرا، ولكن أيضا برفقة مخرج آخر هو جنيد سري الدين و«فرقة زقاق» حيث سيقدم بدءا من العاشر من يناير مسرحية «أليسانة» المقتبسة عن نص إبسن «الإمبراطور والجليلي». وإذ أعطى سري الدين مسرحيته اسما ثانيا، هو «التدريب على الطاعة» فإن المتفرج يستشعر سلفا أن هذا الفريق الشاب يطرح أسئلته الحرجة على الحاضر، انطلاقا من هذه المسرحية التي تستدعي الإمبراطور الروماني جوليان وهو يساءل الآلهة اليونانية القديمة معلنا حرية الاعتقاد وتعدد الآلهة.

و«أليسانة» اسم قرية في قرطبة، كان معظم سكانها من اليهود، نفي إليها الفيلسوف ابن رشد، بعد أن حاكمه الخليفة العباسي المنصور. المسرحية بحسب ما يقول فريق التمثيل تقدم في اقتباسها اللبناني «حكاية فرقة مسرحية منفية ومعزولة يتدرب أفرادها على الطاعة علهم يتدجنون».

المسرحيتان تعرضان في «مسرح مونو» الذي استضاف قبل نهاية العام بأيام قليلة مسرحية فرنسية شهيرة لمدة يومين وهي «شريكتي في السكن شريرة» ولقيت إقبالا منقطع النظير. ويقفل العام في ما لا تزال مسرحية أنطوان غندور «نقدم لكم وطن» مستمرة حتى نهاية الشهر الأول من السنة الجديدة في «كازينو لبنان»، ولا تزال مسرحية «ريزنز تو بي برتي» التي قدمت على «مسرح المدينة» ولعبت بطولتها الشهيرة ندين لبكي تثير الجدل في بيروت، بسبب ما لقيته من إقبال، وما طرحته من أسئلة حول طبيعة المسرح الذي بات يطلبه الجمهور. ولا بد من التذكير بأن أحد أكبر أحداث نهاية العام الماضي المسرحية في لبنان كانت عودة المخضرم ريمون جبارة إلى الخشبة، كتابة وإخراجا، بعمله الهزلي المرير «مقتل إن وأخواتها».

على أي حال مع هنريك إبسن أو من دونه المسرح اللبناني منتعش هذه الأيام، والمسرحيون يبحثون عن إغراء الجمهور بأساليب جديدة، والنتائج تبشر بخير.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال