السبـت 18 رجـب 1433 هـ 9 يونيو 2012 العدد 12247
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

متاحف عبد الرؤوف خليل.. مَعلَم ثقافي وتراثي فريد في السعودية

تحوي ما يزيد على 300 ألف كتاب ومرجع في مختلف العلوم والمعرفة

جانب من المعروضات القيمة في أحد الأجنحة («الشرق الأوسط»)
جدة: سلطان العقيلي
عند زيارتك مدينة جدة، عروس البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، احرص على أن يكون لك نصيب مع الجماليات والغوص في الآثار وكل ما هو غريب وقديم، وهنا سترى نفسك مدفوعا لزيارة متحف عبد الرؤوف خليل، ومنه «مدينة الطيّبات للعلوم والمعرفة»، هو في الواقع مجمّع متاحف، يعد مرجعا للتراثيات في المنطقة الغربية بالمملكة.

المتحف - أو المتاحف - عبارة عن صالات لعرض المقتنيات الأثرية والنادرة، ويضم ثلاثة قطاعات كل قطاع بطابقين، يتعلق الأول بالتراث السعودي القديم، والثاني بفترة الدولة العثمانية، والثالث بالتطور الأوروبي. وتكمن أهميته في عرض المحتويات التي يرجع تاريخ بعضها إلى عهود قديمة جدا. وتكمن القيمة السياحية للمتحف بتوافقه مع متطلبات السوق السياحية من ناحية العرض وأساليبه، وهو ويحظى بجاذبية كبيرة للسياح الذين تتاح لهم الفرصة لطرح الأسئلة والمناقشة بعد الزيارة. وهو بحق متحف كبير وغني، يتميز بالتنوع الغني للمقتنيات المعروضة. وبجانب أهمية مضمون المتحف والثراء الثقافي، الذي يعكسه بتحفه الممتدة عبر الأزمنة والعصور، يلفت الزائر كبر مساحة الفناء الخارجي بمبناه وتعدد الأشكال الجمالية فيه. هذا ويشرع المتحف أبوابه وفق رسوم مالية محددة طوال أيام الأسبوع.

«مدينة الطيبات للعلوم والمعرفة»، بأجنحتها البراقة ومبانيها الأخاذة، مجمّع متحفي أسسه الراحل الشيخ عبد الرؤوف حسن خليل، الذي أبصر النور عام 1937 في حارة اليمن بمدينة جدة، ومن ثم انتقل مع العائلة إلى حارة المظلوم. ولقد درس في مدارس الفلاح، وأكمل تعليمه في ما بعد في علوم الطيران. ومن ثم على مدى سنوات طويلة عمل في رئاسة الطيران المدني بجدة. ولقد اهتم كثيرا على امتداد حياته بدراسة حضارات الأمم، وتميز بسعة أفق وبرحابة علم وعشق كبير للتراث، مما أهله لأن يصبح مرجعية تراثية في جدة حتى وفاته عام 2008.

عبد الرؤوف خليل، المسكون بالتاريخ والتراث، ترجم هذا الهوى - بل الشغف - في تأسيسه متحفه الشهير في جدة ومن ثم متحف الفنون المنزلية، ثم «مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة». أما البداية فكانت مع تفكير المؤسس بإنشاء مركز يكون مجمّعا حضاريا للثقافة الدينية والتراثية والعلمية والاجتماعية. ومن ثم، حرص خليل على أن يكون نمط البناء نموذجا مصغرا لمباني المنطقة الغربية الأصلية العريقة، المضمّخة بلمسات النمط المعماري الحجازي القديم من الرواشين والمشربيات والزخارف، وكذلك الأزقة والممرات والحارات القديمة.

أما على صعيد جمع التحف المعروضة، فقد أنفق عبد الرؤوف خليل أكثر من 45 سنة في عمليتي الجمع والرصد، وافتتحت «مدينة الطيبات للعلوم والمعرفة» عام 1996م، وهي اليوم تعد من أهم الصروح المعرفية التي تُعنى بالعلوم والتراث في الشرق الأوسط.

لقد شغف خليل بالتراث الإسلامي منذ نعومة أظفاره، وكان لسفره إلى مصر للدراسة دور كبير في تنمية شغفه، فهناك أعجب بالآيات المعمارية والثقافية في الأزهر والحسين وأحياء القاهرة القديمة ومساجدها الإسلامية. وعندما تقاعد تفرغ لهواياته التراثية، وبدأ التغيير في بيته، حيث استعاض عن الألمنيوم في النوافذ بالخشب الروشاني، ومن هنا انطلقت مسيرة العمل لإنشاء متحف عبد الرؤوف خليل الحالي.

اليوم تبلغ المساحة الإجمالية لـ«مدينة الطيبات للعلوم والمعرفة» عشرة آلاف متر مربع، يقوم فيها 12 مبنى مجهزة بأفضل التجهيزات والمختبرات والمكتبات وغرف العرض. وتحوي ما يزيد على 300 ألف كتاب ومرجع في مختلف العلوم والمعرفة وما يزيد على 2000 متر مربع من المساحات المخصصة للمعلومات على الجدار مع الصور الإيضاحية، والمجسمات، وما يزيد على 500 برنامج للحاسب الآلي في مختلف العلوم والمعرفة، بالإضافة إلى 18 قاعة تحف في مختلف الحضارات الإنسانية، من ضمنها الجناح الذي يحكي تاريخ الملك عبد العزيز والجناح الخاص بالثقافة الوطنية السعودية، ومركز للمعلومات، وجناح للمعادن والأحجار والمجوهرات، وأجنحة لمدارس الفنون التشكيلية العالمية، وأجنحة لوحدة الفنون بمختلف فروعها.

يعتبر الجناح الخاص بالثقافة الوطنية السعودية، الذي يضم آثارا من التراث الشعبي السعودي، خير صورة معبرة عن الحياة السعودية، ولعل زيارة واحدة لا تكفي لمعرفة كامل التفاصيل. ولكن الجميل في المتحف هو أنه يتيح للزائر استكشاف شتى أنواع الفنون المنثورة في أرجائه وأقسامه، من ألوان التراث الإسلامي والوطني إلى المصوغات الذهبية والفضية التي يكلف اقتناؤها ملايين الدولارات.

ولكن قبل بضع سنوات، عم الحزن مدينة جدة عندما تعرض متحف عبد الرؤوف خليل لحريق أتى على جزء كبير منه. غير أن المؤسس أعاد تشييده وبناء معروضاته ولو بشكل أصغر مما كان عليه، واحتفظ فيه بالكثير من المقتنيات والمجسمات الثمينة، بالإضافة إلى ملامح من المجتمع الحجازي والسعودي الذي عاشه خليل في شبابه. ثم أقام خليل متحفا ثالثا «طوبة طوبة.. وحجرا حجرا» - كما يقال - أشرف على كل صغيرة فيه لأنه كان يهدف من خلاله أن يقدم لمدينته جدة هدية ومعلما حضاريا يليق بها.

يوسف كيكي، المشرف العام على متاحف عبد الرؤوف خليل في جدة، قال إنه جرى تشكيل مجلس ثقافي تراثي للمتاحف، مكون من مجموعة من رجال الأعمال، لإعلان أكثر من 50 فعالية مخصصة للقراءة والشعر والأدب وغيرها بشكل أسبوعي، ويكون لكل منها راع لتحريك العملية الثقافية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال