الخميـس 03 شعبـان 1423 هـ 10 اكتوبر 2002 العدد 8717 الصفحة الرئيسية
 
غازي القصيبي
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
«باي باي» لندن!

ماذا تستطيع ان تقول عن مدينة قضيت فيها جزءاً من حياتك، يكاد يعادل خُمسها، وشهدت مولد ابنتك، ومولد ثلاثة من احفادك، وعرفت فيها شواهق السعادة كما انحدرت فيها الى وهدات الالم؟ ماذا تستطيع ان تقول عن مدينة عشت فيها طالباً يزاحم الناس في الحافلة لأنه لا يملك اجرة التاكسي، وعشت فيها سفيراً يتنقل بأفخم السيارات المصفحة؟ ماذا تقول عن مدينة شهدت مخاض روايتك الأولى، وميلاد عدد من دواوينك وكتبك؟ ماذا تقول عن مدينة تترك فيها حين تغادرها عدداً من أصدق أصدقائك، بالاضافة الى عدد ممن لا يستهان به من «الآخرين»؟ لا يمكن للوداع أن يكون سهلاً، ولا يمكن لكلمات الوداع أن تكون خالية من العواطف المتناقضة، ولا يمكن لاحساسك أن يكون بريئاً من مزيج غير متناسق من اللهفة إلى البقاء، ومن الشوق إلى الرحيل.

تلك، باختصار شديد، حكايتي مع لندن التي عرفتها طالباً وزائراً وسائحاً ومقيماً، حتى ليخيل اليّ، أحياناً، أنها، بدورها، عرفتني. إلا أن لندن لا تعرف أحداً: لا تحب أحداً ولا تكره أحداً، لا تهّش للقاء أحد ولا تجزع لفراق أحد. من يلوم لندن التي شهدت ما شهدته من مدن العالم مجتمعة إذا فقدت قدرتها على الانفعال؟ لندن التي رأت صراع الجبابرة، ومصارع الملوك، وأنهار الدم والحرائق والطواعين، هل يمكن أن يطرف لها جفن اذا وقع حادث عابر هنا أو هناك؟ لندن التي انجبت رجالاً صنعوا امبراطوريات، ورجالاً فككوا امبراطوريات، هل يمكن أن تذعر اذا ظهرت دولة هنا او اختفت دولة هناك؟ لندن التي حضنت عقولاً غيّرت مجرى العلم، وبالتالي حوّلت مسار التاريخ، هل تتوقع منها أن ترقص طرباً لاكتشاف علمي، هنا أو هناك؟ لندن، شبيهة بليلى الاسطورية، التي يدعي الجميع وصلها، وهي لا تحب إلا نفسها.

تنظر لندن، ببرود قاتل، الى سقوط رئيس وزراء قديم ومجيء رئيس وزراء جديد. وتنظر لندن، بجمود مذهل، الى مظاهرة في شوارعها يتجاوز عدد افرادها المليون، وكأنها تقع في فلك آخر. تنفجر القنابل المدمرة في قلب لندن، وتسير الحياة سيرتها الطبيعية كأن القنابل مجرّد شموع تضاء على هيكل لندن العتيق. وتزخر لندن بالملل المتصارعة والعقائد المتحاربة والأجناس المتقاتلة، وهي تنظر، بهدوء، كما ينظر أب كهل حكيم الى مناوشات أطفاله الحمقى. اي أبله هذا الذي يتوقع من لندن أن تلاحظ فراقه، أو تذكر أيامه، أو تتمنى عودته؟!

ولندن، كامبراطوريتها الغاربة التي كانت الشمس لا تغرب عنها، واحدة في جموع، وجموع في واحدة. هناك لندن واحدة، عاصمة المملكة المتحدة التي كانت عاصمة الدنيا ذات يوم، وهناك ألف لندن ولندن لا تكاد واحدة منها تعرف شيئاً عن الأخرى. هناك لندن المشردين الذين يعيشون فوق الأرصفة الباردة على المخدرات القاتلة. وهناك لندن الثرية المترفة المدللة التي يحيط بها سور سميك من الذهب لا يراه سوى المحرومين. وهناك لندن الطلبة، المساكن الرخيصة، والطعام الذي لا يؤكل، والحانات التي لا تغلق ابوابها. وهناك لندن البورصة، حيث تضيع، في ثانية، ثروات ضخمة وتصنع، في ثانية ثروات اضخم. وهناك لندن المتاحف، تاريخ البشرية كله منقوش على التحف والحيوانات المتحجرة. وهناك لندن الاحياء المضاءة باللون الاحمر والاجساد الوردية. وهناك لندن الحانية التي تنفق على ساكنيها الى حد السرف. وهناك لندن القاسية التي تترك مريضاً يموت في انتظار عملية جراحية لن تأتي قبل سنة، من ألف وجه ووجه يتكون وجه لندن الذي يستطيع كل انسان أن يتعرف عليه بسهولة، ولكن احداً لا يستطيع أن يقرأ ما وراء الملامح المألوفة.

ولندن تعالج امورها بطريقتها الخاصة، غير عابئة بما يدور في عالمها القريب او في العالم البعيد. لا تزال لندن تصر على طقوس تبدو في عيون الآخرين شبيهة بأساطير العجائز. في يوم الخطاب الملكي في البرلمان، يتقدم رجل كهل عابس يرتدي ثياباً كأردية السحرة والكهان في العصور الماضية، ويدق على باب مجلس العموم ثلاث مرات قبل أن يسمح له بالدخول، فيأمر الأعضاء، باسم الملكة، ان يتوجهوا الى مجلس اللوردات. قبل أن يغادر الاعضاء اماكنهم يرسلون الى القصر احد الاعضاء رهينة، خوفا من ان يحتجز البرلمان الملكة. ولندن هي العاصمة الوحيدة في الدنيا التي يُصّر شرطتها على التصويت، سنة بعد سنة، على رفض حمل السلاح. وفي لندن يستطيع من يشاء دخول اي منزل غير مسكون واحتلاله، وليس للمالك من وسيلة لاخراجه سوى اللجوء الى القضاء. ولندن هي المدينة الوحيدة التي لا تطلب من احد فيها، سواء كان مواطناً أو زائراً، حمل «هوية» او «أوراق ثبوتية». وفي مكتب الجوازات بلندن تستطيع أن تقول للموظف أن اسمك الاسكندر الاكبر المقدوني، ويسجل الموظف هذا الاسم بلا اعتراض. ورخصة السياقة في لندن، بخلاف الرخص في الغرب والشرق، لا تحمل صورة صاحبها. يخطئ من يتصوّر أن لندن مجرد عاصمة تتعامل مع عواصم اخرى. لندن كوكب مستقل يتعامل مع كوكب الأرض.

إذا نبغ إنسان في لندن، عرفت الدنيا كلها بنبوغه، ولكن متى ينبغ أحد في لندن؟ بين آلاف المعارض التي تعج بعشرات الآلاف من اللوحات الفنية الرائعة، كيف يمكن أن تظهر موهبة شابة؟ بين مئات المحاضرات التي تلقى كل ساعة في قلب العاصمة وحدها، من سيلاحظ هذا المحاضر أو ذاك؟ بين مئات الساسة الذين يتدفقون على «هيثرو» كل صباح، من سيلاحظ أن رئيس جمهورية وصل أو أن رئيس وزراء سافر؟ يا لسذاجة الزائر ـ كائناً من كان ـ حين يتوقع أن يلقى معاملة خاصة من لندن التي تضن بالمعاملة الخاصة على نفسها.

وماذا عني انا؟ حين اغادر لندن في وهج النهار الساطع، لا في ظلام الليل كما زعم من زعم، ماذا سأحمل في حقائب ذكرياتي؟ لن احمل لندن السّواح: القصور والقلاع والجنود ذوي الريش والثياب العجيبة. ولن احمل لندن السياسة: البرلمان العتيد والساسة وتعليقات المعلقين. ولن احمل لندن التجارة: الشركات الكبيرة والعقود الضخمة وحفلات الغداء المملة. ولن احمل لندن الصحافة: العناوين الصارخة والصحف الرصينة والصحف العارية. ولن احمل لندن المسارح: الرقعة الصغيرة التي يصارع فيها شكسبير صرعات نيويورك منذ اكثر من قرن. سأترك هذا كله لغيري من الساسة المحترفين وعشاق المال والمولعين بالضرب في البحار والقفار.

سأحمل معي لندن صغيرة، صنعتها من مئة لندن ولندن. لندن تحمل لونا لا يراه سواي، ورائحة لا يستنشقها غيري، وطعما لا يذوقه الا لساني. في لندن هذه، مشهد يارا وهي تولد وسط فوضى عارمة انتابت قسم الولادة في مستشفى عتيق ذات يوم من ايام سبتمبر 1970. في لندن هذه صورة زوجين شابين يشتريان نصف سمكة ثم يكتشفان ان السمكة من موديل «سالمون» ويضحكان حين يقضي ثمنها على مصرف اسبوعين كاملين. في لندن هذه، عصافير صغيرة تحط على يدك، وتقبلها، وتأكل منها، تسكن حديقة «سانت جيمس». في لندن هذه، تبتسم العجائز لك في الصباح، وتحييك فتاة المتجر بحرارة، ويستقبلك سائق سيارة التاكسي السوداء بنكاته. وفي لندن هذه، مطاعم دافئة صغيرة تشعر وانت تدخلها شعور انسان الكهف وهو يأوي الى حصن حصين بعد يوم حافل بالجوع والمخاطر. وفي لندن هذه، الكثير الكثير من الشعر، والكثير الكثير من الحب، والكثير الكثير من الحزن. وفي لندن هذه، يقف سلمان الصغير اكبر من لندن نفسها.

حسنا! احمل معي لندني الصغيرة، اخفيها بحيث لا يراها احد، والتفت الى لندن الكبيرة، وشفتي العليا جامدة وفقا لتقاليد الامبراطورية، واقول، ببرود انجليزي تتسلل اليه رغما عنه وعني جمرةٌ من دفء الشرق: «وداعا لندن! اعني الى اللقاء! أعني....». امضي واثقا كل الثقة ان السيدة الارستقراطية العجوز الوقور لن تسمعني، ولن تقول لي شيئا!

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال