الاربعـاء 03 ذو الحجـة 1426 هـ 4 يناير 2006 العدد 9899 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
أحمد الجلبي.. هاجس الريادة والمكانة

برز أحمد الجلبي نجما في المعارضة العراقية أثناء مؤتمر بيروت (1991)، يوم تآلفت النقائض، العمائم والأفندية، من كل الاتجاهات. بعدها حقق الشهرة عبر الخصوم، وما حبرته الصحافة العربية ضده، وما زال أحد كُتاب الأعمدة اليومية يسد فراغ عموده بتجريحه. نال هو التعاطف، ونالت هي سأم القارئ. كان يرد ببرودة على اتهامات موالها: سرقة المال والعمالة. كان الجلبي، في زحمة ما يقال ويكتب ضده، مشغولاً بإقناع الأمريكان لإسقاط دولة البعث عسكرياً، وبالنظر في سِفر إعادة أعمار ألمانيا بعد النازية. وربما كانت فكرة اجتثاث البعث من إيحاءات ذلك السِفر.

ولهول الهجاء والتعريض، لم يتمالك أحدهم نفسه عندما شاهد الجلبي في حفل تأبين، صاح: «لا لعملاء أمريكا»! لحظتها التفت الجمهور صوب الهتاف، إلا الجلبي استرسل بكلمته التأبينية غير مكترث. ومن المفارقة عاد الهاتف إلى بغداد، ورشح نفسه في الانتخابات، وقدم قائمته أسوة بالجلبي، وأسس مؤسسة أفاد بها البغداديين. قال صاحبنا، بعد الفراغ من التأبين: «أول مرة أرى الجلبي على الطبيعة، فما تمالكت».

ربما يشعر الجلبي في سيرته بالغبن، وهو ينظر إلى الآخرين يقطفون ثمار مشروعه في إسقاط دولة البعث عسكرياً. وأمسى نائباً لمَنْ ظل يعترض على المشروع حتى قُبيل الحرب. هذا وقد جرت العادة أن يتبوأ قائد الانقلاب المركز الأول، ثم يأتي الأقربون. لكن هذه المرة حصل شذوذ في السياسة العراقية، ومن المحتمل أن يكون قائد الانقلاب بلا مقعد في البرلمان القادم! حسب الجلبي حسابه وجرب اعتلاء منصة الطائفة، رغم علمانيته واطلاعه على حقيقة الخلاف المذهبي وما يحويه من ملفقات.

أخذ يتحدث في الحقوق الشيعية من دون الرغبة بدولة دينية، مبادراً إلى تأسيس البيت الشيعي، ثم هندسة الائتلاف العراقي الموحد، الذي أُخرج منه، وهو صاحب الفضل بوجوده. ولم يسمع استجارة آل الخوئي، وهو يجالس قاتلي عميدهم، ويظهر على الشاشة يجاريهم في الضرب الأرستقراطي على الصدور في عاشوراء. غير أن السعي الطائفي المحسوب لم ينسه تذكير الطرف الآخر. لهذا سبق إلى مجالسة هيئة علماء المسلمين، ومواجهة تعصب رئيسها بما كان بين أخيه رشدي وخميس الضاري من وشائج، وهما المرشحان في قائمة واحدة أوان العهد الملكي.

إن حاول الجلبي جعل الحق الشيعي ممراً إلى بلوغ المرام، ربما العراقي لا الشخصي فقط، نسى مكانة أسرته في عهد مارس الطائفية، من سن قانون الجنسية والتمييز الملموس، حتى وصلت ذروتها في ما بعد. كان جده عبد الحسين الجلبي وزيراً مزمناً وعضواً في مجلس الأعيان حتى وفاته (1939)، ووالده عبد الهادي الجلبي (ت1988) وزيراً ونائباً لرئيس مجلس الأعيان حتى (تموز 1958)، كذلك توزر أخوه رشدي الجلبي (ت1998) عدة مرات. وخلع العثمانيون لقب الجلبي الأرستقراطي (كلمة تركية تطلق لتعظيم الأعيان) على عائلته، لمركزها المالي والاجتماعي، رغم سلوكهم الطائفي ضد الشيعة. ولحظوة الأسرة نزل الملك فيصل الأول، أول وصوله بغداد، قصر جده.

كانت لآل الجلبي أملاك واسعة، حتى أن مدينة الحرية، غربي بغداد، عُرفت سابقاً بمدينة الهادي، نسبة لوالده، الذي نجا مما حصل في صبيحة 14 تموز 1958 (ثورة بزعامة عبد الكريم قاسم) لتواجده صدفة بطهران. أخبرني أحد الكسبة المؤجرين من أملاك آل الجلبي بشارع الرشيد، أن والد أحمد طرده من محله، وعمد إلى إهانته وتهديده عندما راجعه بمكتبه، وبذلك أغلق باب رزقه الوحيد. إلا أن صاحبنا، وهو شيعي متضرر من قانون الجنسية الملكي ومن التهجير البعثي، راح يبحث عنه يوم الثورة ضد العهد الملكي ليقتص منه، ومعلوم ماذا يعني القصاص في تلك اللحظات المجنونة!

تطرح هذه الخلفية أن تفاعل الجلبي الطائفي لم يؤخذ بجدية حتى داخل الائتلاف الشيعي، مثلما لم يؤخذ عداؤه المفاجئ للأمريكان بجدية، بعد أن رمى بكل ثقله لإقناعهم بالحل العسكري، ثم حاول تغيير الصورة أمام العراقيين بافتعال مواجهات معهم! والهتاف ضد الاحتلال.

يعلم الجلبي، وهو من أذكياء العراق، أن العراقيين أسرع إلى الطاعة وأسرع إلى العصيان أيضاً، ولا بد من مجاراة أمزجتهم. جاء في وصية معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد: «انظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عَزْلَ عامل أحب إليّ من أن تشهر عليك مائة سيف» (تاريخ الأمم والملوك). أجد في هذه الوصية اعترافا، سبق زمانه، بأن عدم تأبيد الحكومات علاج لأمزجة العراقيين، الذين قال فيهم ابن أبي الحديد: «شبه معترضة في المذاهب» (شرح نهج البلاغة).

قد راود الجلبي أنه صاحب ريادة في النصر على دكتاتورية عاتية القسوة، وهذا صحيح. وأن تأبيد الحظوة الحكومية من حقه. فلم يمر على نشر قصة «زبيبة والملك»، التي تنبأت أن جلبياً سيقود الجيوش، سوى شهور حتى طل الجلبي على صدام بسجنه وجهاً لوجه. ولا ندري ماذا جال في الدواخل من هواجس في تلك اللحظة؟ ولا يهم إن كانت الإطلالة بصحبة الحاكم المدني الأمريكي أم من دونه، ألم يرفع الأمريكان صداماً وشيوخه إلى السلطة! وقبلها، ألم يأت البريطانيون بفيصل بن الحسين ملكاً! ويتملقهم طالب النقيب من أجل العرش!

وبما أن الاستحقاق الانتخابي ليس هو الأمثل بالعراق، فلا بد أن يحسب الجلبي حسابه خارج صناديق الاقتراع، التي لم يؤثر فيها الترغيب بقائمته: «كل عراقي يأخذ حصة من النفط». كان صاحب الفضل في التذكير بهذا الحق صاحب العِمامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت1954)، قالها لنوري السعيد: «لكل عراقي حصة من نفط العراق، وما أخذته لبناء مدرستنا العلمية من الحديد هو جزء ضئيل من حصتي» (أساطين المرجعية العليا).

لقد تنازلت مكانة الجلبي كثيراً وهو يناقض لبراليته وخطابه في وحدة العراق، بهندسة الضرر الطائفي الإقليمي، وباعتماده على حاشية أسرعت إلى اغتنام الغنائم، هزت صورته بين العراقيين، مع أنه صاحب رصيد علمي وثقافي وحظوة دولية، قلما امتلكها سواه، ومن رجال المرحلة بحق.

r_alkhayoun@hotmail.com

> > >

التعليــقــــات
خالد جاسم /الديوانيه، «النرويج»، 04/01/2006
إنه لأمر مؤسف أن يخرج السيد الجلبي من البرلمان القادم، ورغم اختلافي معه كوني قومي، إلا أنني أتعاطف معه كونه شخصية علمية وعقلية اقتصادية بارزة. وقد كنا نعلم بأن من تعب عليهم سيتخلون عنه وقد كان لمواقفه الداعية للاجتثاث أبلغ الأثر في تدني شعبيته.
صلاح طاهري، «بلجيكا»، 04/01/2006
يجب أن يكافأ الجلبي على أعماله العظيمة التي قدمها للعراق، و أعظم عمل قدمه للعراق أنه استقدم الجيش الأميركي لإسقاط النظام الشمولي في العراق. يجب على الحكومة القادمة أن تسند للجلبي مقعدا مهما وحساسا في الدولة فهو يجب أن لا يبتعد عن سدة الحكم إطلاقا، وعلى الحكومة أن تعي جدا أن الانتخابات ليست محاصصة مقاعد على حساب الكفاءة والخبرة. أعتقد أن العراقيين سوف ينسون فضل الجلبي في استقدام الأميركيين إلى العراق، وجني ثمار إسقاط النظام البعثي الشمولي قادمة رغم أنف الحاقدين.
عبود الكرخي، «التشيك»، 04/01/2006
كيف يمكن لفرد واحد مهما كانت عبقريته وقدراته الخارقة أن يغير سياسة أعظم دولة في العالم؟ إن سياسة أي دولة في العالم وخصوصاُ الولايات المتحدة تحددها مصالح تلك الدولة وأي خطوة تقوم بها الولايات المتحدة وخصوصا عملية مثل غزو العراق تخضع لدراسة ومناقشة طويلة تشارك فيها مؤسسات كثيرة وكبيرة مثل البيت الأبيض والكونغرس ووزارة الخارجية والدفاع ووكالة المخابرات المركزية وأجهزة الإعلام والصحافة ومراكز الدراسات الاستراتيجية وكبار رجال المال والصناعة....الخ. فكيف يمكن لشخص واحد أن يحمل الولايات المتحدة على غزو العراق؟ لا أعتقد أن رئيس الولايات المتحدة نفسه يستطيع لوحده أن يدفع الولايات المتحدة للقيام بهذا العمل.
الحكاية بهذا الشكل تبدو واقفة على رأسها فإذا قلبناها لتقف على قدميها تصبح منطقية ومعقولة. لنقل إن الولايات المتحدة بمؤسساتها رأت أن من مصلحتها غزو العراق وبدأت التحضير والاستعداد للغزو. وقامت بالتنسيق مع أشخاص ومجموعات من المعارضة العراقية وأوكلت لهم دوراُ اعلامياُ وسياسياُ لتبرير الغزو أمام شعبها والرأي العام الدولي. فطلبت من بعض العراقيين أن يأتوا إلى الولايات المتحدة ليطلبوا منها تخليصهم من نظام صدام ويتحدثوا عن أسلحة الدمار الشامل ومجازر حلبجة والانفال ومعاناة الشعب العراقي من الدكتاتورية...الخ. إذن الولايات المتحدة هي التي استخدمت أشخاصاُ لخدمة أغراضها ولا يمكن لشخص أن يستخدم الولايات المتحدة لخدمة أغراضه.
عدنان فرحان التميمى، «اليونان»، 04/01/2006
أعتقد بأن الحسد والغيرة والخوف من شخصية الجلبي الجذابة والقوية هي التي دفعت الجميع إلى محاربته للحد من نفوذه بالإضافة إلى صراحته وتدافع الانتهازيين إلى التقرب منه. بالنسبة لي إنه بطل قومي أعتز به وتألمت أنا وعائلتي لعدم حصول قائمته على الأصوات المطلوبة، وأعتقد جازما بأن العراقيين سيعرفون قيمة هذا الرجل ولكن بعد فوات الأوان، وسيعرفون كم دفع صدام ومخابراته لتشويه سمعة هذا الرجل البطل.
أحمد الشمري، «الدنمارك»، 04/01/2006
الدكتور أحمد الجلبي شخصية وطنية عراقية محترمة، يحظى باحترام شرائح واسعة من الطيف العراقي، عدم فوز الجلبي لا يعني نهاية عمله ومشروعه السياسي المتحضر. لقد وقف الدكتور الجلبي موقفا مؤيدا لنتائج الإنتخابات العراقية رغم خسارته، وبلا شك مشروع الليبرالية والعلمانية الذي يتبناه الجلبي هو الذي ينجح في العراق. كل الفئات التي تدعي العلمانية سقطت بجبهة مرام السيئة السمعة والصيت ما عدا الجلبي الذي رفض أن ينضم إلى هذه الجبهة السيئة. أنا متأكد أن الجلبي سوف يحصل على منصب بالحكومة القادمة وإن لم يفز في عضوية البرلمان العراقي، أعضاء الحكومة ليسَوا بالضرورة من أعضاء البرلمان.
سعد العزاوي / بغداد، «هولندا»، 04/01/2006
إن من أكثر ما ابتلي به العراق الحديث هو عدم تولي ذوي الخبرة والكفاءة والمكانة الدولية المرموقة لمنصب يلائم قدراتهم لرفع المستوى العراقي في كافة النواحي، وهذا ما نعانيه الآن في العراق من الوزارات والمؤسسات العائلية التي تحكم العراق. فنظرة فاحصة لتشكيل الوزارات العراقية تجدها أقرب إلى سكن عائلي مما هي إلى الوزارة. حقيقة إنها خسارة أن لا يجد الدكتور الجلبي مكانا مناسبا له وللعراق في الحكومة الجديدة رغم أني لست من محبيه ليس لشخصه وليس لعلمه ومكانته، لأسباب تتعلق بحاشيته ومن حوله من رجال أساء اختيارهم مما وسع الهوة بينه وبين أبناء الشعب العراقي رغم طروحاته الانتخابية التي تدغدغ مشاعر العراقي البسيط ولكن القناعة فيها اهتزت بعد ما بدر من هؤلاء الحاشية من سلب ونهب وتدمير واعتداء على المواطن البسيط أولا وقبل غيره من أبناء هذا الشعب المظلوم. ورغم كل هذا يبقى الجلبي أحق من كثير من غيره ممن استوزروا أو سيتوزرون بمكانه في الحكومة الجديدة.
وائل زاهر، «المملكة العربية السعودية»، 04/01/2006
نتمنى أن تسند إحدى المناصب الحكومية المقبلة للدكتور أحمد الجلبي كوزارة النفط مثلا فهو الأقدر على إدارة أهم موارد العراق في الفترة المقبلة.
قاسم البدري العراق، «الدنمارك»، 04/01/2006
في رأيي أن د.أحمد الجلبي هو الأصلح لرئاسة الوزراء في المرحلة الراهنة من تاريخ العراق لكونه يمتلك عقلية اقتصادية متميزة وعلاقات ممتازة مع الخارج وليبرالية يمكن أن تخدم الأغلبية العراقية الصامتة ،على أن يفهموا ذلك.
محمد الخفاجي - بابل العراق، «السويد»، 04/01/2006
الجلبي هو من أقدر سياسيي العراق الحاليين ومن أكثرهم مهارة سياسية وهو أجدر من أغلب من هم بالحكومة. عموما نتمنى للجلبي موقعا مهما بالحكومة القادمة فالتخلي عنه خسارة لها وللعراق.
جعفر غانم، «البحرين»، 04/01/2006
ما أحوج أغلب الدول العربية إلى شخص كالدكتور الجلبي، هذا الإنسان الفذ الذي احترمه أعداؤه قبل أصدقائه لمكانته وشجاعته. وإن لم يوفق في مركز قيادي فهذا ليس من أولوياته فعزاؤه هو حكم الشعب لنفسه وإسقاط قوى الظلام .
محمود احمد-العراق، «استراليا»، 04/01/2006
أتصور أن الدكتور الجلبي سيبقى داخل السلطة حتى إذا لم يحصل على مقعد في البرلمان حيث لا أحد من سياسيي عراق اليوم تصرف بحنكة و دهاء مثلما فعل هذا الرجل الوطني لبلده، وأجزم أن شعوبا عربية اليوم تتمنى منقذاً كما فعل الجلبي.
صفاء شاكر، «غانا»، 04/01/2006
مما لاشك فيه أن للدكتور الجلبي دور كبير في خلاص العراق من نظام البعث الدكتاتوري وأنه يستحق وبفخر أن يتصدى العملية السياسية ومن موقع متقدم في السلطة لما لديه من خبرة وحضور سياسي محلي ودولي وما يتمتع به من شجاعة وجرأة في طروحاته السياسية والاقتصادية .
اسامة العاني، «فرنسا ميتروبولتان»، 04/01/2006
كان صرحا من خيال فهوى ، هكذا هو أحمد الجلبي. عندما كنا نسمع بأفكاره وتنضيراته المعتدلة لبناء دولة العراق الجديد كنا نتوسم فيه الخير ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان عندما اعتلى المسئولية حيث بدأ يلبس ثوبا ليس له وهو ثوب الطائفية، فبدلا من أن يجعل من نفسه عامل وحدة بين الكيانات والطوائف اختار لنفسه أن يتخندق بأن أسس فكرة البيت الشيعي وكذلك عاد مرة أخرى ليدخل ضمن قائمة الائتلاف العراقي ذي الصبغة الدينية، وكان الأجدر به أن يهتم ويطرح الأفكار الليبيرالية التي طالما نادى بها ودافع عنها.
امير الزبيدي، «فرنسا ميتروبولتان»، 19/05/2007
الدكتور احمد الجلبي انا برايي افضل شخصية موجودة الان في العراق تستحق ان تقود البلد لانه شخصية ذات خبرة علمية واقتصادية ممتازة ويتمتع بروح الواقعية في التعامل مع الغير من العرب الذين لم نرى منهم سوى الاذية للشعب العراقي وهو مدافع عن حقوق ابناء بلده الذين ظلموا من الاخرين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال