الاربعـاء 02 صفـر 1428 هـ 21 فبراير 2007 العدد 10312 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
العراق.. السلوكيون ينتشرون!

تأتي أهمية فتح ملف الجماعات السلوكية أو السالكين، كتتمة لما كتبناه حول جند السماء، من سرعة تفشيها بين البسطاء، عبر التواجد بينهم، أو عبر وسائل إعلامها المتنوعة: إنترنت، صحف ورقية، إذاعات، ومقرات. ومن مخاطرها الحالية أصبح السلاح الناري بيدها. فقبل أيام حصلت معركة بين جماعة، وصفت بالسلوكية، وبين عناصر جيش المهدي بمدينة الشطرة ـ الناصرية. تُنبئك هذه المعركة، وبعدها معركة جند السماء، وشدة المظاهر الدينية مع شدة بالفساد، أن هناك شبحاً يجول في قرى العراق ومدنه اسمه السلوكية، وخطورته أنه يخضع الأتباع عبر المقدسات!

وباختصار شديد، يُنسب إلى الجماعات السلوكية، وهي في الأصل جماعات دينية صوفية أو سياسية، الانحراف بتفسير الآية «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» (الحجر 99). بمعنى أن الغاية من العبادة هي الوصول إلى لحظة اليقين ثم عدم لزومها، ففيها يتحقق المبتغى من العبادة. وهي فكرة بشطحاتها لا تخرج كثيراً عن مؤثرات صوفية خاصة. وبهذه الصلة مارستها شخصيات كان لها حضور في الحركة الإسلامية الكوردية العراقية، لها دورها بتأسيس حزب الله هناك، والذي انحل في ما بعد.

كذلك من ممارسات السالكين إرغام نفس المؤمن على ما تكره، على أنه الجهاد الأكبر، فالنفس المؤمنة تكره ارتكاب المعاصي، ولا بد من مخالفتها بارتكابها. وما يخص الجانب الشيعي تلتقي السلوكية مع جماعة حاربها آية الله الخميني، وهي الحجتية بإيران، تدَّعي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المعاصي سيؤخر ظهور الإمام المهدي، لذا لا بد من استفزازه ليظهر سريعاً. والسلوكية عموماً «يسمحون لأنفسهم بترك الواجبات كالصلاة والصوم، وفعل مختلف المحرمات تحت شعار الوصول إلى درجة اليقين، وانتظار المهدي ورؤيته» (الأسدي، الصدر الثاني).

وابلغني أحد العارفين، عبر رسالة شخصية من بغداد، أن ظاهرة السالكين أو السلوكيين ظهرت في السنوات الأخيرة من النظام السابق، في منطقة الزعفرانية من بغداد، إلا أنها لم تكن حركة مسلحة، وألقي القبض على أتباعها، وأُطلق سراحهم، لعدم أهميتهم. يُذكر أنها بدأت حول السيد محمد محمد صادق الصدر (اغتيل 1999)، إلا أنه رفضها، وخصص خطبة أو خطباً لنقدها. ولمقتدى الصدر رأي ضدهم، جاء فيه: «أن يقاطعوا هؤلاء ويتبرأوا منهم، ويبتعدوا عنهم بُعد السليم عن الأجرب» (29 ربيع الثاني 1427). ومن هؤلاء مَنْ اعتقد أن الصدر الثاني هو المهدي المنتظر. وآخر اعتبره محمد النفس الزكية، وهو أحد المهديين، كما هو معروف في الرواية. وأحدهم كان يُقدم محاضرات «في حلول أرواح الأئمة» (المياحي، السفير الخامس). وآخر يقف أمام صورة الصدر ويخاطبه بالقول: «متى تُقتل ونرتاح بخروج الإمام»، على خلفية أن المهدي لا يخرج إلا عقب كارثة!

من المعلوم أن للخواء الثقافي، والعسر الاجتماعي، دوره في إشاعة مثل تلك الممارسات، وليس غريباً أن تجد لها جماهير تلتف حولها، فما حصل بالعراق من قبل، وما يحصل اليوم، خلق مناخاً مناسباً لتبنيها، تلك التي لم تكن معروفة في المجتمع العراقي، وبهذا الحضور. فمن طبائع العامة الانقياد، لما يسمعونه في خطب المسؤولين وتصريحاتهم وممارساتهم، فالسحل لم يبدأ بعد تموز 1958 إلا بخطبة مسؤول كبير أذيعت في الراديو: «اسحلوهم»! ويعني أقطاب العهد الملكي. وإن كان المقصود به مجاملة السواد، إلا أنه يصبح تلقائياً واقعاً، وقناعات مدمرة لا تهتز بسهولة.

ولا أظن أن هناك تربة أكثر خصوبة لها من ظاهرة لبس الأكفان، والتفنن بأداء الخطاب الديني، وشدة المناحات وإشاعاتها بهذه الغزارة، وسطوة النفاق الديني عبر الإعلام، وكثرة ظهور المعممين على الشاشات، وهم يدلون بمعلومات وآراء مشوهة للعقل، والحياة المدنية عموماً، وتضرب الألفة الاجتماعية المرجوة. فماذا تنتظر من معمم مملوء بفكرة التكفير يتحدث عن الأعياد عند الأديان الأخرى، وبمناسبة عيد الميلاد، وعبر الفضائية العراقية! أو يظهر معمم آخر خطيباً مرتدياً للكفن يحيطه الحراس المكفنين أيضاً، وكأن أهل العراق لا ينقصهم إلا الانتحار الجماعي. أما سلوكية الجماعات الدينية المتشددة في غرب العراق، والذين يطرحون أنفسهم كمجاهدين، فشأنها آخر، فضحتها العائلات السُنَّية التي هربت من جحيم عصابات البصرة إلى الفلوجة والمدن الأخرى، التي تهيمن عليها تلك الجماعات، فما أن وصلوا حتى طُلب منهم تزويج بناتهم للمجاهدين، فعادوا أدراجهم، وقالوا الموت بالبصرة أرحم وأعف! ومن المعلوم، لا تقتصر فكرة الانتظار، وادِّعاء شخصية المهدي المنتظر على الجماعات الشيعية وحسب، بل لأغلب الأديان والمذاهب مهديوها، والجماعات التي تستعجل ظهوره. قيل ادعى شاب، بُعيد انتفاضة 1991 بكوردستان العراق، أنه المهدي المنتظر، وصدق به رهط من الناس، إلا أنه قبل أن ينفذ إلى عدد أكبر قتله الإسلاميون الكورد. وهذه الأيام ظهر مهدي بالسودان، يُعرف بالشيخ الخير زكريا، ينتمي إلى الطريقة القادرية، ثم سلك طريقة أخرى تدعى السمانية. وجه بيانه «من الإمام المهدي المنتظر بالسودان إلى كل مسلمي الأرض». وكما هو الحال أن كل دعوات وجيوش المهدي تنطلق من محاربة أمريكا!

ومع ذلك، ما يجري بالعراق حالياً ينطوي على خطورة صارخة، خصوصاً أن هذه الجماعات أخذت تستغل ظروف البلد المحرجة، والتساهل في الجمع بين إشاعة الخرافة وحمل السلاح، وهناك مَنْ يسلح من خارج الحدود. إضافة إلى خطورتها بتملك وسائل الإعلام، وسرعة الاتصال، ففي الأزمنة السابقة كان يتواجد الدرويش، والداعي إلى المهدي، والمحارب باسم الجن وغيرهم، غير أن تأثيرهم لم يخرج عن نطاق الوادي أو القرية، أما الآن فقد امتلكوا مواقع في الإنترنت، وفضائيات، وصحف، وإذاعات، ونشر كتب، ومن هنا سيكون التقدم العلمي والديمقراطية سيفا ذا حدين، إذا لم يدعما بضوابط تحمي المجتمع من الانهيار!

وكيف السبيل، والدولة عطلت وزارة الثقافة، وجعلت السياحة دينية لا مجال آخر فيها، وليس في المكتبات الجامعية سوى الكتب الدينية، ذات المتخيلات الخرافية، ولا تظهر في الشارع غير الصور الدينية، وعمدت السلطات المحلية في المحافظات، البصرة مثلاً، إلى غلق المقاهي، والنوادي، ودور السينما، وأخذت تطارد الموسيقيين والفنانين، وليس الشعر إلا الشعر الحسيني، فماذا يُنتظر لهذه الأمة غير إشاعة فكر مثل الفكر السلوكي! يصعب فهم حال الدولة حالياً، وتعهدات الأحزاب الدينية بسياسة مدنية فيها، وتجد أحدهم يصرخ في البرلمان أثناء مناقشة قانون (عدة) المرأة بعبارة «تنفيذاً للحكم الإلهي»! وكتحصيل حاصل يحسب على الجماعات السلوكية المتشددين بالمظاهر الدينية، والمتساهلين مع الفساد الإداري والمالي كافة. أحسبهم يخضعون للمنطق نفسه!

r_alkhayoun@hotmail.com

> > >

التعليــقــــات
محمد المالكي /مدينة الصدر/ العراق، «المملكة المتحدة»، 21/02/2007
الاستاذ رشيد الخيون يجب التفريق بين ظاهرة السلوكيين التي انتشرت على نطاق ضيق في العراق وتمت محاربتها والتبرؤ منها حسب ما جاء في المقال وبين ظاهرة المؤمنين الحقيقيين بالامام المهدي وظهوره الذي بشر به النبي الاكرم وهذه العقيدة يؤمن بها غالبية ابناء الشعب العراقي وغيرهم من المؤمنين في البلاد الواسعة ، كما اني اعترض على ما جاء في المقال حول لبس الاكفان واقول ان اول من اقام الجمعة المعطلة في الكوفة هو الصدر الثاني وكان يرتدي الاكفان ولا ادري ما سبب انتقاد هذه الظاهرة حتى اليوم والبلد يمر باحتلال ودمار واعداء كثيرين مما يستوجب الدفاع عن النفس في كل لحظة علما اننا في العراق نرغب بالسلام الدائم والشامل بلا دماء او حروب او قتال ولكن انت ترى ما يفعل بنا مع الاحترام.
أحمد السيد علي، «السويد»، 21/02/2007
الأستاذ رشيد، يبدو ان لا مفر للخروج من هذه الهرطقات والخرافة الا بالمطالبة بدولة علمانية لخلق مجتمع مدني رصين قائم على المعرفة والعلم وابعاد رجال الدين عن الدولة وعودتهم لمكانهم المناسب في دور العبادة.
محمد رافت، «سويسرا»، 21/02/2007
تأكيدا لما ذكره الدكتور خيون، ظهر في 1991، دجال كردي يدعى مصطفى البرزنجي، مدعيا بانه المهدي المنتظر، ونشر كتابه ( كلمات الله) باللغة العربية، وقد تم تخصيص ( حلبجة) مركزا له من قبل قوات الائتلاف. وقد تضمن كتابه مبررات ظهوره بعد تلقيه رسالة من الامام علي (رض)، كما تضمن آيات أدعى انها آيات منزلة، وادعى انه ظهر لتصحيح مسار الاسلام. وقد تم توزيع نسخ من كتابه من قبل مريديه في مؤتمر المعارضة الأول الذي انعقد في مصيف صلاح الدين، وطبع الكتاب في مطبعة جامعة صلاح الدين التي استولى عليها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بعد سحب صدام للدوائر الرسمية من أربيل. وقد وقع مصطفى البرزنجي في كمين نصب له قرب مدينة اربيل، حينما كان في طريقه اليها، لمناقشة بعض رجال الدين، الذين دعوه للنقاش حول دعوته.
حسين الشحماني -العراق-، «هونج كونج»، 21/02/2007
عزيزي الخيون ...تعزيزا وتواصلا، المنتظرية كفكرة موجودة في كل الاديان والقبائل فلربيعة كان منتظرا ولشمر ايضا. ومنتظر الاديان لازمة غزيرة فمثلنا النصارى لهم منتظر (الفارقليط) ولليهود. وللسنة المسلمين منتظرهم (القطب الخفي) وللشيعة المسلمين منتظريهم (المهدي ومحمد بن الحنفية وزيد بن علي واسماعيل والحاكم بامر الله وآخرهم قاضي السماء). لا بأس ان نحلم بحزمة أمل. على ان لا تكون معطلة للثورة وتطوير انفسنا. في بلدتنا رجل يبيع (المكاوية) كيك في صينية (سيد علي) كنت اهمس له: الى متى تدور في شوارع المدينة. فيقول سوف تاتي حكومة الشيعة ونرى العدل والانصاف. رأيته قبل كتابة التعليق وهمست ها سيد علي؟
قال: بعد ما لها غير ابو صالح يقصد (المهدي الغائب).
سوف تخدر المنتظرية امثال هذا السيد ويعبث الحكام ما شاءوا ويرتحلوا.
اما السلوكيون فهم اقرب للممرورين والمغفلين منهم الى الاسوياء. فهم ينعقون إن فهموا أو لم يفهموا ما يقوله الخطيب إمامهم. يبقى ان كل الاديان السماوية والوضعية تحترم منتظريها إلا نحن نتاجر بهم.
وعند الخلاف على ولاية الفقيه في ايران قال الخميني للمنادين بحكومة المنتظر إن منتظرنا غاب الف ونيف عام ولا يمكن ان ننتظره عدة آلاف أخرى. وهذا الخلاف بين مدرستين شيعيتين تشيب لخلافاتها رؤوس الولدان.
وليد الكبيسي، «النرويج»، 21/02/2007
الى حسين الشحماني -العراق
ما أروع تعليقك وما أوسع أفقه ودلالاته.
منصور مالك، «المملكة العربية السعودية»، 21/02/2007
أكتب لا تعليقاً على مقال الاستاذ الخيون ولكن تعقيباً على تعليق الأخ / حسن الشحماني الذي قال أن للسنة مهديهم وهو القطب الخفي , وأنا مسلم سني ولم أسمع قبل ذلك بالقطب الخفي , والمهدي عند السنة هو ما عرفت به الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
طه خالد، «مصر»، 21/02/2007
بصراحة اقول ان مايحدث الان في العراق سببه هو البعد عن الدين اولا وثانيا الجهل، فهؤلاء الناس البسطاء والسذج يريدون بصيص امل لينقذهم مما هم فيه.
انا أؤمن بالمهدي المنتظر ولكن اريد ان اقول بالنسبة لهؤلاء الذين يقولون انهم مندوبين عنه او سفرائه من عينهم ليكونوا كذلك؟ وهل هنالك من دليل في القرآن الكريم يثبت ذلك؟
هؤلاء مجرد ناس يستغلون الوضع لصالحهم باي شكل، حالهم حال رجال الدين المسيحيين الذين كانوا موجودين في اوربا في القرون الوسطى ولولا ان قام الاوربيين بالتخلص منهم لبقوا على تخلفهم الى الان.
محمد المالكي /مدينة الصدر/ العراق، «المملكة المتحدة»، 21/02/2007
الاستاذ رشيد الخيون احب ان اضيف الى ما قلته سلفا ان الواجب يحتم علينا ذكر الحقائق لابناء الامة بدلا من التركيز على الاعمال السلبية النادرة التي تحدث في العراق ومنها ظاهرتي جند السماء والسلوكيين ومن اهم ما يجب قوله هنا ان الايمان بالمهدي وظهوره ليس بسبب البحث عن الامل او الاحباط وانما لانه حقيقة بشر بها النبي امة الاسلام والحديث عن الغيبيات لايقدح بتطور العقل البشري او الانتقاص من الامة بل ان الايمان بالمهدي يدفع المؤمنين الى اصلاح امتهم وانفسهم وليس الركون الى الجهل والخرافات لذا ارجو مكررا ان لايكون هناك خلط بين ممارسات سلوكية خاطئة وايمان حقيقي صحيح.
يحيى الياس الفيشاوي، «فرنسا ميتروبولتان»، 21/02/2007
الموضوع فيه نوع من الطول ولكن قلب صحيفتنا الاولى الشرق الاولى يسعه ويسع الاطول منه.
يؤكد الباحثون في التاريخ وعلم الاجتماع يوماً بعد آخر أن فكرة وجود منقذ للبشرية هي فكرة عامة تظهر بشكل أو بآخر في المجتمعات الإنسانية، رغم اختلافها الشديد وتباينها في الثقافة والقومية والدين. ومن هنا يظهر خطأ التصور القائل أن فكرة المهدوية هي فكرة دينية غيبية.
فإذا كان جوهر الفكرة هو ظهور قيادة عالمية تحكم العالم بالعدل وتقيم القانون وتخلص البشرية من ويلات الحروب والمجاعات، فإن هذا الهدف كان ولا يزال من أهداف المصلحين والساسة والحكماء والفلاسفة في مختلف العصور بل هو اليوم في العالم المتحضر أظهر منه في أي وقت مضى، كما سنرى، فهل تحول ساسة الغرب إلى رجال دين غيبيين أيضاً؟ كلا وإنما هو الشعور العام بضرورة الحكومة العالمية.
إن المهدوية تظهر في الديانة اليهودية من خلال التبشير (بالمسيح اليهودي) وعند العالم المسيحي بالمسيح نفسه عيسى بن مريم (ع)، وعند المسلمين بالمهدي المنتظر الذي يعاونه المسيح (ع). وتظهر المهدوية أيضاً في الديانات الهندوسية والبوذية وعند الحكماء والفلاسفة القدامى والمحدثين، مثل أفلاطون في الجمهورية والفارابي في [المدينة الفاضلة] و [الملة الفاضلة]، والفيلسوف الإنجليزي توماس مور في [يوتوبيا] أو جزيرة طوبي، وأمثال هذه المدن الفاضلة والجمهوريات المثالية لا حصر لها فهناك [إتلانتا الجديدة] لفرنسيس بيكون و [المدينة المسيحية] ليوهان، [ومدينة الشمس] لتوماز كامبلا وجزيرة كونفيسشيوس لحكيم الصين وغيرها. والأسماء التي وضعوها لهذه الملة أو المدينة ليست خيالية تماماً، بل قائمة على تصورات يؤيدها العلم والدين والآثار كما سوف نبرهن عليه بإذن الله تعالى.
ويختلف اسم القائد الملهم الذي يقود هذه المدن عند الجميع، فهو عند توماس مور (يوتوبوس العظيم)، واسمه مشتق من الجزيرة (يوتوبيا). ومعلوم أن (طوبي) مرحلة تطورية ذكرت في القرآن كونها عاقبة للصالحين من الناس.وقلما نجد أحداً من الحكماء على مرّ التاريخ لم يحاول تخيل المجتمع المثالي الذي يقوده رجل عظيم ومثالي حكيم. ولا يختلف المعاصرون بشيء من ذلك، فقد اقترح الطبيب كارل من فرنسا في عصر الذرة –أخذ نخبة من التلاميذ الأذكياء جداً لتعليمهم أنواع مختلفة من العلوم وحرمانهم من اللهو والعبث ليظهر منهم في الأقل شخص واحد يتقن جميع العلوم قادر على قيادة العالم/ [من كتاب الإنسان ذلك المجهول].
والحق أن هذا لا يختلف بشيء من حيث هو مقترح عما يبشر به النصارى من عودة المسيح (ع) روح الله الجامع لكل العلوم أو ما يبشر به المسلمون من ظهور المهدي الذي ورث من جدة علوم الأولين والآخرين، سوى ان الطبيب مستعجل في العثور على القائد. إن هذا يدل على حاجة البشر الماسة إلى دولة عالمية وحكومة مثالية.
وشارك برتراند راسل في تأسيس الأمم المتحدة وطالب أن يكون للمنظمة جيش قوي بل أقوى جيش في العالم- من أجل تحقيق أدنى قدر من الحكومة العالمية.
ولم يتوقف الأمر على ذلك، فأعداء الديانات التقليديين يتفقون مع الآخرين في ضرورة الحكومة العالمية، فذهب كارل ماركس شوطاً بعيداً في الغيبيات والميتافيزيقية التي أعلن الحرب والبراءة منها- حين أعلن من جهة أخرى أن الطور الاشتراكي أمر مؤقت زائل تحل محله الشيوعية بفضل قيادة مخلصة وواعية، ولم يكتف بالسير على نفس أسلوب التبشير الذي أعتمده الأنبياء، بل زعم أن الناس لشدة ولعهم بالفضائل في مرحلة الشيوعية فإنهم لن يحتاجوا إلى المال ولا المؤسسات الرأسمالية، بل يصل بهم الحال إلى الاستغناء عن القيادة أصلاً- فتذوب الحكومة من تلقاء نفسها..!!.
فأنت ترى أن هذا التصور أبعد بكثير مما سوف يحدث وفق البشارة الدينية على يد المهدي والمسيح (ع)، بل هو عكسه تماماً، فحكومة المهدي وفق المفهوم الديني تترسخ ولا تضعف، ولم يدع أحد أنه سيلغي التعامل بالأوراق النقدية أو يلغي المؤسسات الرسمية! بل يصنع مجتمعاً فاضلاً يسوده العدل، ليس هو الذي سيضعه، بل المجتمع نفسه حينما يصل إلى مرحلة متقدمة من الوعي الديني والفكري- فالعدل عند أهل الدين نتاج صحة الفكر- وليس نتاج صحة التوزيع للثروة بالقوة كما هو عند ماركس! فكيف تقود عدالة التوزيع إلى تطور فكري يوصل إلى المجتمع الأفضل.. فهذا بمفرده كاف للتدليل على تخليط الرجل وقلبه للموازين وجعله الأشياء كلها معكوسة!.
ومع ذلك لم اسمع من [الأساتذة] الناقدين- ولو تلميحاً إلى إغراق ماركس في الغيبيات والميتافيزيقية، بل السوفسطائية المضحكة، وشنوا حربهم الإعلامية ضد المهدوية الدينية، وكان على هؤلاء بدلاً من ذلك أن يأخذوا كتاباً في علامات ظهور المهدي (ع) الاجتماعية ليتعرفوا على الواقع الاجتماعي الذي يحدث فيه الظهور، بدلاً من أن يجعلوا لنا الحجة في اتهامهم بالجهل المطبق في قضية المهدوية.
وزعم آخرون أن المهدوية أو فكرة وجود منقذ هي رد فعل على الأوضاع الفاسدة التي تسود المجتمعات الإنسانية، غرضها بعث الأمل في النفوس وقتل اليأس في أرواح الناس، فهذا تخليط آخر وتضليل غريب وجمع للمتناقضات في آن واحد فلربَّ سائل يسأل هل الناس على هذا المفهوم يائسون وقانطون أم متفائلون مستبشرون؟ وهل هؤلاء هم أنفسهم أم أهل اليأس قوم وأهل التفاؤل آخرون، وإن كانوا أنفسهم فهل كان اليأس أولاً أم التفاؤل؟.
باختصار شديد إذا كانوا هم أنفسهم، فلا يصدق التبرير الأول لأن الإنسان الفرد إما بأن يوصف بأنه يائس أو متفائل، وان كانوا غيرهم فهذا موضوعنا ولا موضوع للزاعمين.
وقال آخرون: إن المهدوية أو فكرة المنقذ هي فكرة من صنع خيال بني الإنسان لإسكات روح المعارضة للأنظمة الفاسدة وقتل روح العمل والإصلاح!، فهذا القول كما ترى عكس الأول ولنفس المتحذلقين، والذين لم يقرءوا بكل تأكيد كتاباً واحداً من كتب الأديان الثلاثة بشأن القائد الموعود.
ولو قرءوا شيئاً يسيراً لمدة ساعتين فقط فإنها تكفي ليفهموا أمراً واضحاً لا مراء فيه وهو أن المنقذ لن يأت أبداً ما لم يمهد لظهوره بالعمل والإصلاح... فكيف خالف هؤلاء رأي علماء الاجتماع من أن المجتمع الإنساني متطور بطبعه يسعى دوماً لما هو أفضل؟ وكيف لم يقولوا هذه المقالة لماركس؟ وكيف زعموا أن الفكر المادي واقعي– وهو غارق إلى أذنيه في الخيالات، ووصموا الفكر الديني الذي هو الواقعية بعينها- وصمّوه بالطوباوية والصفات الخيالية؟ نعم إن للدين عالماً مستقبلياً واقعياً ولكنه للأسف قد شوه تشويهاً كبيراً. إن للدين عالماً آخر يؤمن به هو عالم الغيب، ولكن المهدوية هي طور دنيوي سوف ترى في الكتاب ان القرآن استخدم المصطلحات الدنيوية والواقعية بشأن المهدوية واستخدم الإيمان بالغيب لوصف الآخرة التي هي المقصود من الغيب- الآخرة التي بعد القيامة. فثمة آخرة للحياة وثمة آخرة للكون كله.
ولكن هؤلاء معذورون- فقد أكبوا على قراءة رأس المال و(ما العمل) وحفظوا فقرات مطولة منها- لكنهم رغم (إسلامهم) لم يتمعنوا بقراءة واحدة كاملة لكتاب الله!! فكيف سمح هؤلاء لأنفسهم بمهاجمة الفكرة المهدوية في الدين- وحكومته العالمية الموعودة- ولم يفعلوا نفس الشيء في ما يطالب به قادة ومصلحون في الغرب من تأسيس حكومة عالمية؟.
إن أسوأ حالات الاستلاب الفكري هي حينما تنعدم ثقة الطليعة من الأمة بتراثها وفكرها الديني لدرجة مضحكة مثل هذه، فكل ما يأتي من هناك يصدقوه ويجلوه وكل ما يخرج من تراثهم وعقيدتهم يعرضوا عنه ويستصغروه، فأكرم بهم من طليعة مثقفة!!.
ومن المعلوم أن دعوات الغرب هذه- أكثرها إن لم تكن جميعها ليست تدعوا للحكومة العالمية العادلة بحق- وإنما تدعو دعوة سياسية واقتصادية- لترسيخ هيمنة الغرب الرأسمالي وحكومة استلاب عالمي مستغلة هذا الشعور الإنساني العارم بمثل هذه الضرورة البشرية.
إن رغبة البشر قوية جداً في الحصول على حكومة عالمية وتظهر هذه الرغبة الآن جلية في عالمنا المعاصر بمحاولة الدولة النامية خاصة بدعم المؤسسات الدولية مثل منظمة العفو الدولية ومحكمة العدل الدولية والسلم العالمي ومنظمة الأمم المتحدة- ويزداد التأكيد من قبل شعوب وحكومات المجتمع الإنساني على مبادئ معينة بسبب الذعر من الحروب وعمليات الغزو الاقتصادي والسياسي واحتمال التدهور والخوف من وقوع ما ليس في الحسبان، مثل مبادئ
(التعاون الاقتصادي) و(عدم التدخل) و(التعايش السلمي) و(الحد من الأسلحة) ودعم صناديق كثيرة دولية الاتجاه كالصندوق الدولي وصندوق التنمية- ومحاولة التقارب بالأسواق المشتركة- بل والمطالبة بنظام اقتصادي عالمي- ليشكل ركيزة من ركائز السلم في العالم والعيش المتكافئ...
هذه المصطلحات والأفكار والمبادئ والمؤسسات بمفردها. وكثرة الحديث عنها يكفي للتنويه عن الأهمية البالغة التي يشعر بها سكان المعمورة للحكومة العالمية.
إن الشعور العام لدى الشعوب والحكومات- هو الترحيب بـ(نظام اقتصادي عالمي) و(جيش عالمي)، ولكنها في نفس الوقت تشك إن كان للمترفين والمتحكمين بهذه النظم أي التزام أخلاقي. إن تأكيد الإعلام الغربي على الجانب الأخلاقي في نشراتها الإخبارية وتعليقاتها إنما يظهر بجلاء طعن شعوب العالم في مصداقية النظام الرأسمالي في قيادة العالم وتحقيق العدل، وذلك بعد أن تحدث البعض عن أحلام مثل أن يتمكن زعيم أخلاقي بالفوز بالانتخابات الأمريكية فيكون هو القائد العالمي الذي انتظرته البشرية طويلاً..! فبإمكانه إذا خلصت النوايا توسيع دائرة تلك المنظمات الدولية وتقويتها تمهيداً لجعل العالم عائلة واحدة تنعم بالرخاء.
إن إلقاء نظرة واحدة فاحصة إلى واقع النظام الغربي تبين مدى بعد هذا الاحتمال عن التحقق في أرض الواقع، وهو أمر لا يأمل الغربيون أنفسهم بتحقيقه وفق الهيمنة المطلقة لعبيد المال على الانتخابات.
إن المهدوية بمفهومها العام تمثل حاجة حقيقية وواقعية ولا يشك أحد في تحقيقها يوما ما- وهو يرى ويعيش الآم البشرية وهدر ثروتها- وإن جرى التعبير عنها بصيغ مختلفة- ولا يوجد أي مبرر فلسفي أو علمي لرفضها- بل على العكس من ذلك تتوافر كل المبررات لتحقيقها- وهو ما صرح به كل مختص يعيش هموم المجتمع الإنساني في قرارة نفسه، بل أن رفضها ومحاربتها هو رفض ومحاربة لآمال البشرية وجهدها المثابر في الوصول إلى مجتمع عالمي يسوده العدل. ومن أجل ذلك لا يتمكن حتى عبيد المال ورؤوس الاستغلال في الغرب من رفضها- لوعي تلك الشعوب لأهميتها فحاولوا ويحاولون إعطائها صبغة أوروبية أو مسيحية واصمين شعوب العالم كلها وبالأخص المسلمين بالوثنية جامعين في عين الوقت بين مفهومها الديني المسيحي واليهودي ومفهومها الغربي المادي- ومن أجل استغلال هذه العقيدة لتحقيق الهيمنة المطلقة على العالم... عسكرياً واقتصادياً- مشوهين ومحرفين حقائق في العهد القديم وفي الإنجيل تبشّر بالقائد الموعود وتضع له علامات كونية وسياسية كما سنرى في البحوث اللاحقة.
ويكمن الخطر المحدق بنا الآن في هذه القضية بالذات.. فالصراع بين المهدي (ع) الموعود والمسيح (ع) من جهة وبين القوى الكافرة من جهة أخرى يأخذ شكلاً عقائدياً وفكرياً محضاً في تراث الأديان الثلاثة.. ويريد الغرب الآن أن يحول شكل هذا الصراع إلى صراع مذهبي وقومي وجغرافي كما هي عادتهم في التحريف.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال