الخميـس 26 ذو الحجـة 1429 هـ 25 ديسمبر 2008 العدد 10985 الصفحة الرئيسية
 
زاهي حواس
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
فرعون موسى

لعل من أعظم أسرار الحضارة الفرعونية القديمة التي لا يزال علماء المصريات يبحثونها من كل أوجهها؛ قصة خروج بني إسرائيل من مصر، وتحديد شخصية فرعون موسى، فعلى الرغم من وجود القصة بتفاصيلها في التوراة والقرآن الكريم إلا أن شخصية فرعون الخروج لم تحدد بالاسم. وورد عن المفسرين قولهم إن القرآن الكريم نأى عن ذكر الأسماء، وذلك صوناً لكرامة الإنسان وخصوصيته، فلم يذكر شخصية عزيز مصر الذي اشترى يوسف ورباه في بيته أو حتى امرأته التي راودت يوسف عن نفسه أو شخصية ملك مصر الذي جعل من يوسف أميناً على خزائن مصر وغير ذلك من الأمثلة الكثير؛ ولعل السبب كذلك هو إعطاء العقل البشري مساحة من التفكير لتعقل الرواية القرآنية بدلاً من تحديدها في نطاق أشخاص بأسمائهم والبعد عن المعنى الشمولي للرواية وجعلها قصة دارت أحداثها بين أشخاص بعينهم والله أعلم.

نعود إلى فرعون موسى، فلا يزال العلماء يتباحثون فيما بينهم ما إذا كان هذا الفرعون شخصية واحدة أم شخصيتين؟ أحدهما تربى موسى في قصره ووسط أبنائه، والآخر ناصب موسى العداءَ بعدما أبلغه الأخير برسالة ربِّهِ إليه وحارب بني إسرائيل حتى كان الخروج من مصر. وفي ظني أن فرعون موسى هو فرعون واحد، ولعل في قوله تعالى «قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ» الشعراء 18؛ ما قد يشير إلى كونه فرعوناً واحداً هو الذي شهد قصة موسى وبني إسرائيل كلها حتى كان الخروج.

نحن إذاًَ نتحدث عن فرعون عاش وحكم لفترة كبيرة. ومثل هؤلاء في التاريخ الفرعوني القديم قليل مثل الملك «بيبي الثاني» الذي عاش أكثر من ثمانين عاما. ولا يمكن أن تكون قصة موسى قد حدثت في الدولة القديمة، حيث يتفق علماء المصريات والتاريخ أن موسى وبني إسرائيل عاصروا الدولة الحديثة بعد تاريخ 1550 ق.م، خاصة بعد أن أجمع هؤلاء العلماء على أن العبرانيين جاءوا إلى مصر مع الهكسوس بعد الدولة الوسطى، وعاشوا خلال ما نطلق عليه عصر الاضطراب الثاني، وبالتالي لا بد أن يكون فرعون الخروج أحدَ ملوكِ الدولة الحديثة. والملك الوحيد الذي عاش عمراً مديداً وحكم حوالي 66 عاماً هو الملك رمسيس الثاني الذي يميل إلى اعتباره فرعونَ الخروجِ معظمُ الباحثين بل اليهود أنفسهم وصانعو أفلام هوليود.

وأنا شخصياً لا أستطيع تحديد مَنْ هو فرعون الخروج من دون وجود دليل لغوي أو أدلة أثرية تثبت ذلك، ولكن أستطيع أن أقول إن السبب الذي جعل الفراعنة لا يتحدثون عن أنبياء الله الذين زاروا مصر من إبراهيم ويوسف وموسى عليهم جميعاً السلام هو أن المصريين بنوا المقابرَ ورتبوا عقائدهم الدينية والجنائزية ترتيباً استغرق آلاف السنين، نرى في جوهره مبدأ الوحدانية ظاهراً، وفي مظهره الخارجي تعدد المعبودات والآلهة، وهذا النظام لا وجود فيه لأنبياء وديانة واحدة، وسيظل البحث مستمراً عن شخصية فرعون موسى. وفي مقالات قادمة بإذن الله سنتعرض خلالها لأحداث القصة تفصيلياً وآثار بني إسرائيل في مصر..

> > >

التعليــقــــات
علاء جمال، «الامارت العربية المتحدة»، 25/12/2008
شكراً على هذا الموضوع الرائع. أتذكر أنّ أستاذ التاريخ في المرحلة الثانوية قال لنا إنّ هناك الكثير من علماء الآثار يجزمون من غير دليل واضح بأن رمسيس الثاني هو فرعون موسى وأنّ اخناتون، زوج نفرتيتي وأول فرعون يدعو إلى توحيد الآلهة، هو إدريس عليه السلام...وغيرها الكثير لكن أين الحقيقة؟ حتى أني قرأت كتاب حسن المحاضرة فى ملوك مصر والقاهرة للإمام جلال الدين السيوطي وكلها اجتهادات وأقوال غير مدعومة بالأدلة...فلماذا لا يقوم المجلس الأعلى للآثار بإصدار مجلة عملية دورية تتناول الحضارة الفرعونية وجديد الاكتشافات وطبيعة عمل فرق البحث المصرية والأجنبية، وكيفية إعادة الآثار المهربة خارج البلاد؟؟ ولماذا هناك كليات وأقسام لدراسة علم المصريات (Egyptology) في كثير من دول العالم ولا يوجد ذلك عندنا في مصر بصورة منهجية؟؟
طه محمد، «المملكة العربية السعودية»، 25/12/2008
علينا أن نشيد بالدكتور حواس على كتاباته الرائعة عن الحضارة الفرعونية، وننتظر منه المزيد عن فرعون موسى الذي أطبقت شهرته الآفاق، وما ذلك إلا لتفرده ببعض الصفات والأفكار، ومن ذلك:
الغرور، ونجد ذلك في قوله تعالى (ونادى فرعون في قومه أليس لي ملك مصر هذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون،، أما أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين). كذلك إتصف بشدة بطشه بمن يخالفه كما في موقفه مع السحرة بعد إشهارهم الإسلام، قال تعالى (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين). وكانت الطامة الكبرى لهذا الفروعون إدعاءه الألوهية في تطاول لم يسبقه إليه أحد ولم يتجرأ أحد من بعده على ذلك حتى الآن. وفي خاتمة المطاف أهلكه الله غرقاً وحفظ جثته لتكون آية لمن خلفه. ومصداق ذلك ما يتحفنا به الدكتور زاهي من أسرار عظيمة ومعلومات قيمة موثقة بالكتابات والرسومات والمجسمات والمنحوتات والمقتنيات التي بقيت محفوظة لآلاف السنين لنستفيد منها ونتعظ بها (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). شكراً دكتور زاهي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال