الجمعـة 19 جمـادى الاولـى 1422 هـ 10 اغسطس 2001 العدد 8291 الصفحة الرئيسية
 
ناصر الدين النشاشيبي
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
سنوات في مصر 5: شخصيات عربية في بلاط عبد الناصر.. قلوب مع علي وسيوف مع معاوية!
كان فائق السامرائي من شخصيات العراق السياسية ومن رجالات حزب الاستقلال العراقي قبل ان تقوم ثورة «14 تموز» ويصبح السامرائي سفيرا للعراق في مصر.

وكان السامرائي في مظهره الخارجي على عكس مظهر صديقه وزميله الحميم السيد صديق شنشل، الذي اصبح بعد الثورة وزيرا للارشاد القومي في ظل عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف! كان السامرائي قصير القامة ومن الوزن الثقيل. بينما كان السيد شنشل يتمتع بقامة طويلة وبمظهر رياضي واضح، رغم ان اناقته كانت لا تصل الى اناقة السامرائي الذي كان حريصا على ان يوزع هداياه من ربطات العنق الفرنسية على «الاتباع» من صحافيي القاهرة.

وكان نجيب الراوي اول سفير للعراق عند قيام ثورة عبد الناصر. واتفق الناس على ان نجيب الراوي كان اقدر وانظف دبلوماسي عربي في عالم القاهرة. وكانت السيدة الراقية زوجته مثلا للسيدة العراقية المثقفة في مسلكها ومظهرها وحياتها.. وجمالها! وكانت من ارفع عائلات العراق واكثرها عراقة وثروة، واعني عائلة «الداغستاني» الشهيرة المعروفة. وكانت لها دالة على جميع المسؤولين العراقيين الكبار وفي مقدمتهم الأمير الوصي عبد الإله، وسائر رؤساء الوزارات من صالح جبر، الى جميل المدفعي، الى ارشد العمري، الى عبد الرحمن البزاز، الى علي جودت الايوبي! وكان عيب نجيب الراوي، انه كان سفيرا لعبد الناصر لدى بغداد قبل ان يكون سفيرا للعراق في مصر! تماما، كما كان السفير اللبناني السيد جوزيف ابو خاطر (ابو ابراهيم) سفيرا سريا لمصر، ولعبد الناصر بالذات، اكثر منه سفيرا مجتهدا للبنان لدى قاهرة المعز لدين الله الفاطمي! وكذلك سفير الجزائر، المثقف العالم السيد الاخضر الابراهيمي، الذي كان يفخر بجمال عبد الناصر اكثر من افتخاره بثورة المليون شهيد! وهنا يظهر العيب في جميع هؤلاء الدبلوماسيين والزعماء العرب الذي ايدوا جمال عبد الناصر وناصروه ومشوا وراءه على حساب ولائهم لبلادهم! وعندما جاءت المطربة اللبنانية فيروز الى مصر لكي تغني مع فرقة «الانوار» اللبنانية على مسرح «الاوبرا» الملكية، وتدق اعمدة خشب المسرح وتهزها تحت اقدام رقصة الدبكة اللبنانية وعلى اصوات «الميجانا والعتابا».. كان عبد الناصر في مقدمة الذين حرصوا على حضور تلك الحفلات كلها، ومعه بعض افراد عائلته! وانتهز السفير اللبناني السيد جوزيف ابو خاطر تلك المناسبة، واقام حفلة عشاء فاخرة في دار السفارة دعا اليها عبد الناصر.. وفيروز.. ومجموعة من سفراء العرب في مصر وكبار الصحافيين..! وعند ترتيب الجلوس حول الموائد الرسمية، لم يستطع الصحافي اللبناني سعيد فريحة ان يجلس على طاولة قريبة من طاولة الرئيس المصري، فاظهر غضبه الشديد وانسحب من العشاء على الفور وكتب مقالا مطولا في جريد «الانوار» اللبنانية، وفي مجلة «الصياد» ـ التي يملكها ـ وصب جام غضبه على السفير اللبناني ـ ابو خاطر ـ الذي «لا يعرف قيمة الناس».. ولعن جدود سائر السفراء العرب و«مدينة زحلة» ونهر البردوني.. وكل ما له علاقة بالسفير جوزيف ابو خاطر من قريب او بعيد! مرة اخرى: هنا يظهر الفرق الكبير بين الولاء للرئيس المصري، من جهة ـ وقد يكون هذا معقولا ومقبولا ـ وبين العبودية العمياء لذلك الرئيس من جهة اخرى. فبعض السفراء العرب باعوا بلادهم اما من اجل الشهرة او من اجل تسهيل المهمة، او الجري وراء الاعلام المصري الموظف لدى الدولة، واسترخصوا حكامهم ورؤساءهم وزعماء بلادهم.

ولم يقتصر الامر على هؤلاء السفراء الدبلوماسيين وحدهم بل ان النفاق السياسي او التصرفات الرخيصة لاحقت بعض كبار الوزراء والنواب في بيروت وبغداد والجزائر والاردن في علاقاتهم مع عبد الناصر، او في علاقة بلادهم الخارجية مع مصر. وانا اعرف ان صحافيا مرموقا ووزيرا لبنانيا معروفا، هو السيد عبد الله المشنوق، كان يخوض المعركة الانتخابية في بيروت ويوزع صوره في اسواق العاصمة اللبنانية في منشورات كبيرة كتب عليها بالبنط العريض: «عبد الناصر ما بيروق إلا بعبد الله المشنوق!».

وكان صديقنا السيد وليد صلاح ـ رجل القضاء الاردني والوزير الفلسطيني المعروف ـ يوزع صوره في مدينة نابلس الفلسطينية وهو يمشي وراء جمال عبد الناصر وعبارة كبيرة تقول: «في ركاب الزعيم القائد!»! وهذا كله افسد جمال عبد الناصر، وارخص نوعية زعامته وشجعه على الاستهانة بكل زعيم وكل سفير عربي داخل مصر، وفي خارجها..

وكان شقيق الزعيم اللبناني صائب سلام، واعني «الجنرال مصباح»، يفخر بان اموال مصر ومدفوعات جمال عبد الناصر هي التي وقفت وراء ثورة عام 1958 في لبنان. وكانت الهتافات بحياة عبد الناصر في تلك الثورة اكثر من الهتافات بحياة اي لبناني او عربي! وكانت صور عبد الناصر في احياء «المصيطبة» و«رأس النبع» والطريق الجديدة و«رأس بيروت» تظهر بالالوان الكهربائية على اعمدة عريضة عالية وفوق اقواس النصر وكأنها صور ابطال لبنان في قديم الزمان وحاضره ومستقبله! وكل هذا لا غبار عليه لو كانت المسألة تقف عند حدود الولاء والمحبة والتأييد، ولا تتعدى ذلك الى العبودية والارتزاق! فقد اضرت تلك المظاهر بسمعة لبنان والجزائر والاردن وسورية وفلسطين اكثر مما اضرت باصحابها. وها نحن نرى سقوط العائلية والفئوية والقبلية والحزبية في حياة لبنان السياسية على يد رجل فرد لم يكن من الصعب عليه ان يدفن زعامات اسلامية كبيرة وعريقة في قلب بيروت تزيد في اعمارها عن مائة عام خلال معركة البرلمان في صيف عام 2000! لقد ضجت الاوساط المارونية في الخمسينات والستينات من تصرفات السفير المصري ـ يومذاك ـ اللواء عبد الحميد غالب. فقد عاش هذا السفير يتصرف «كالمندوب السامي» الفرنسي على لبنان ايام الانتداب. وقد شجع بعض زعماء المسلمين اللبنانيين، هذا السفير المصري بالذات على ان يحكم لبنان بقبضة يده، وان يشتري الصحف، ويرشي الزعماء، ويوزع الاوامر، ويقيم الحفلات، بلا حسيب ولا رقيب، واذا وجد من يعارضه، اما ان يوجه له تهمة الخيانة، واما ان يوجه الى رأسه رصاص الاغتيال! ومما يزيد الطين بلة ـ كما يقولون ـ ان بعض هؤلاء الموالين لعبد الناصر او المتاجرين به او المنتسبين لزعامته، لم يكونوا في مجالسهم الخاصة وفي تقاريرهم السرية الا حربا على ثورة مصر، وعلى عبد الناصر بالذات! كانوا بقلوبهم مع عبد الناصر.. نعم.

ولكنهم كانوا باقلامهم السرية وتقاريرهم الرسمية الى السفارات الاجنبية، حربا على عبد الناصر! وكان سفراء اميركا وفرنسا وبريطانيا، بمجموعهم يستفيدون من هذا الوضع العجيب، ويلتقطون الاخبار المعادية للنظام، من افواه هؤلاء الناس «الطيبين» ويرسلونها الى حكوماتهم! وتكررت المهزلة المأساة في عالم «اليمن السعيد» بعد ثورة الرئيس السلال! وتكررت في الاردن على ايدي رجال من امثال علي ابو نوار وعلي الحياري، وعبد الله الريماوي، وعبد الله نعواس، وسليمان النابلسي وغيرهم! وتكررت في سورية وفي مدن فلسطين المختلفة..! وكل هذا، وجمال قابع في منزله بمنشية البكري بالقاهرة، يقرأ التقارير السرية ويتفرج على افلام «جيمس بوند»، ورعاة البقر في الدور الارضي، ويستهلك المزيد من سيجارة ال.ام. وكان يسميها بالاحرف الاولى: «ليلى مراد»! ويتعشى الخبز البلدي والجبنة البيضاء، ويسأل الصحافي هيكل عند الثالثة صباحا عن آخر الاخبار، وما هو مانشيت «الاهرام» في صباح ذلك اليوم الجديد؟.

أجل..

لقد عرفت في دنيا بيروت ودنيا القاهرة العشرات من اصدقاء عبد الناصر الحقيقيين، ومن اعدائه او خصومه الحقيقيين ايضا! وكنت اخلط احيانا بين الصديق الحقيقي والخصم الحقيقي. وكان صديقي الراحل الكبير الزعيم صائب سلام بين الذين خلطوا الصداقة مع العداء، او مزجوا الخصومة بالموالاة، فاذ به بعد ثورة عام 1958 التي اشعلها في لبنان باسم عبد الناصر، يتحول خلال سنوات قليلة الى اكبر خصوم عبد الناصر. وعندما سألته ـ في جنيف ـ عن سر هذا التحول العجيب، وما اكثر ما سألته، وما اكثر ما اجاب، قال لي انه ذهب لمقابلة الرئيس عبد الناصر في القاهرة، فأبقاه الصحافي هيكل في مكتبه بـ«الاهرام» لمدة ساعتين كاملتين قبل ان يفاجئه بالجواب المؤلم بان الرئيس مشغول وان وقته ـ في تلك الليلة ـ لا يتسع لمقابلة احد..! وفهم صائب بك الموقف، وعاد على اول طائرة الى بيروت ثم اعلنها حربا على «الشبح» الذي وقف وراء قرار عبد الناصر بطي صفحة صائب سلام، واعني السفير المصري اللواء عبد الحميد غالب! ترى، لو كانت صداقة صائب بك مع عبد الناصر قائمة على مبادئ صحيحة وأسس عقائدية واضحة، هل كانت الصلة بين الرجلين ستنتهي بمثل هذه الصورة المفاجئة ولمثل هذا السبب؟

لا أظن. فقد كان سامي بك الصلح ـ على سبيل المثال ـ على الطرف الآخر من عبد الناصر، وكان يتولى رئاسة وزراء لبنان ويحمل للرئيس المصري الكثير من التقدير والاحترام، ولكنه لم يحاول ان يخفي معارضته لاسلوب «الصداقة» المطلوبة مع الرئيس المصري، اي لم يرض الصلح ان يحني رأسه او يقبض الهدايا او يطلب الرضى من السفير المصري في بيروت او من غيره. كان سامي بك ـ كما عرفته ـ من أجرأ وأنظف رجال السياسة في لبنان، وقد تعرض للاغتيال بالقنابل والمتفجرات ثلاث مرات متتالية ـ ولا تسألوني مِنْ مَنْ؟ ـ ولكنه لم يخف ولم يهرب ولم يبدل مسيرته ولم يطلب الصفح والرضى من احد! لقد تبرع اللواء عبد الحميد غالب بمحاربته للقضاء عليه. ولكنه صمد في وجه المؤامرات وعاش حتى آخر ساعات عمره، محاطا بالعزة والكرامة، متحديا كل تهديدات السفير المصري، وكل مؤامراته! احرقوا منزله في بيروت فانتقل الى بيت بالايجار! تربصوا به لاغتياله في نقطة «المصمودية» على طريق الجبل ولكن الله انقذه! وعندما استقلت الجزائر وجاء احمد بن بيلا رئيسا لها، شاهدت امامي شابا ثوريا يريد ان يحتمي بـ«شبح» جمال عبد الناصر لكي يحكم الجزائر! ولكن هذا الاستسلام كان من اكبر الاسباب التي دفعت بالرئيس بومدين لكي يقوم بانقلابه الشهير ويحل محل بن بيلا! وكل من يدرس تفاصيل رقعة الشطرنج ايام الوجود المصري في اليمن يدرك الى اي مدى أدت مواقف بعض المسؤولين اليمنيين ـ يومذاك ـ الى تتابع الانقلابات وتعقيد المواقف وتحطم مشاريع الصلح بين الاطراف، ووقوع المزيد والعديد من الخسائر البشرية والمادية! قلوب مع علي وسيوف مع معاوية! تماما كما كان يشكو على مسمعي الرئيس الراحل فؤاد شهاب من السياسيين الذين يسميهم «أكلة الجبنة» من السياسيين اللبنانيين المعروفين الذين يلعبون على الف حبل، ويوالون الف جهة، ويحاربون الف «جبهة»، ويستفيدون من الف «دكان»! كان فؤاد شهاب سياسيا منضبطا في زي عسكري، او عسكريا يرتدي الثياب المدنية، وفي جميع حالاته لم يكن فؤاد شهاب الا ذلك الانسان الحضاري الراقي الذي لا يكذب ولا يساوم ولا ينافق ولا يساير على حساب لبنان! وكان على الدوام يعرف حقيقة الرجال.. ويعرف ايضا حقيقة اشباه الرجال. وكانت استقامته هي سر قوته! وكانت صراحته هي بلاغته! ولا انسى قوله لي في معرض سرد بعض ذكرياته على مسمعي عندما جاء السفير الاميركي لزيارته في منزله الصيفي، قال فؤاد شهاب يسأل السفير الاميركي: لو صدقنا كلام اليهود ان ارض فلسطين هي ارضهم، وان الله امرهم بالعودة اليها بقصد السكن فيها، ترى هل كان الله قد امرهم ايضا بطرد الفلسطينيين العرب من بلدهم وتشريدهم في انحاء المعمورة؟

وضحك السفير معجبا بصراحة فؤاد شهاب الذي استطرد قائلا له:

ـ سمعتك تشكو لي من صوت الرصاص الذي يدوي احيانا على حدودنا مع اسرائيل. انا شخصيا ـ يا سيادة السفير ـ افضل ان يبقى صوت الرصاص بعيدا على الحدود مع اسرائيل من ان ينتقل صوت الرصاص الى قلب بيروت!! واتسعت ابتسامة السفير الاميركي بينما هو يهز رأسه موافقا على كلام رئيس لبنان ومعجبا بصراحته.

اعود واكرر، بان فؤاد شهاب كان من اقرب الناس الى قلب عبد الناصر ومن اكثر الناس محبة وولاء له، ولكنه لم ينزلق في حبه او ولائه، الى درجة العمالة، او العبودية، او المحسوبية، او الارتزاق. ورغم انه ـ اي فؤاد شهاب ـ كان في اسلوب حياته بعيدا عن اسلوب عبد الناصر، حيث كان طعامه اليومي يرد الى منزله من مطعم «لوكولوس» الفرنسي على شاطئ بحر بيروت، وكان يطرب للحديث باللغة الفرنسية وحدها، وكان الادب الفرنسي والصحف الفرنسية والموسيقى الفرنسية هي غذاؤه المعتاد في ساعات الراحة، ورغم ذلك، لم يبتعد فؤاد شهاب عن اعجابه بالرئيس عبد الناصر، ولم يدع بعض الطباع الشخصية المتنافرة ان تتمكن من تحويل الصديق الى خصم او قلب المحب الى كريه.

وما اكثر عدد السياسيين العرب الذين مارسوا الدبلوماسية بلغة النفاق، او تسلحوا بالنفاق في عملهم الدبلوماسي ارضاء لجمال عبد الناصر خلال الفترة القصيرة التي ربطت مصر بسورية ووحدت دمشق مع القاهرة.

ترى، ألم يكن عجيبا ان يتحول سياسي كبير وتاريخي في وزن احسان الجابري الى شاعر من الدرجة الثالثة ينظم القصائد في مدح جمال عبد الناصر؟

ألم يكن عجيبا ان يصبح عبد الحميد سراج، مؤلفا مسرحيا وخياليا في نقل الاخبار وسرد الامور المتعلقة بلبنان وسورية والاردن الى مسامع جمال عبد الناصر؟

والكيلاني.. والاتاسي.. والحوراني.. والبيطار.. والزعيم الشعبي الفنان فخري البارودي مؤسس وراعي فرقة «السماح» للرقص الشعبي السوري على مسارح دمشق والقاهرة؟!!

*** ان صديقي محمود رياض، الذي كتب مذكراته السياسية واشار بصورة خفية ومستعجلة الى هؤلاء الناس، لم يشأ ان يكمل المعروف ويكتب القصة كاملة ويسرد الاسماء كلها! لقد عاش محمود ر ياض ـ قبل الجامعة العربية ـ سفيرا لمصر في سورية واستطاع ان «يعجن» خميرة البشر، وان يتعرف الى الذين ناصروا «الوحدة» مع مصر، والذين تآمروا عليها. وكنت اسمعه في جلساتنا في القاهرة يعود الى تلك القصص ويستعيد تلك الاسماء ويعلق عليها بما لديه من ذم او مديح! وعندما كنت اسأله لماذا لم تكن كل تلك الاخبار ـ او الاسرار ـ تصل الى مسامع عبد الناصر، كان يجيبني بكل صراحة:

ـ ان الشجاعة الادبية المطلوبة في مثل هذه الحالات، لم تكن متوفرة! ويبقى النفاق السياسي ـ دوما ـ اكثر الاسلحة سهولة للاستعمال. والخبر السار هو الذي يعود على صاحبه او على ناقله بالخير، على عكس الخبر الخالي من السعادة! ولم يكن الحديث عن عبد الناصر سهلا او بسيطا بسبب كثرة همومه ومشاكله..! ويسألني محمود رياض:

ـ هل فهمت؟

وأجيبه مع هزة رأس:

ـ أجل.. فهمت! ولكن..

ويسألني محمود رياض:

ـ ولكن ماذا؟

وأجيب:

ـ لكن بعض المنافقين لعبد الناصر لم يترددوا في كتابة التقارير السرية التي ملأوها بالاكاذيب، ولم يراعوا فيها الامانة سواء رضي عبد الناصر بتقاريرهم، ام غضب..

سألني: مثلا؟

قلت: لقد وصل الى الرئيس تقرير معين من اللواء عبد الحميد غالب، سفيركم في بيروت، يتهمني فيه بأنني ـ شخصيا ـ اكتب للرئيس اللبناني سامي الصلح كل الخطب الاذاعية التي كان يهاجم فيها جمال عبد الناصر. وهذا محض افتراء وكذب والمقصود منه هو اقصائي عن مصر وعن عبد الناصر. ترى، هل التلفيق ضد اصدقائكم ـ مثلي ـ ما كان يرضي عبد الناصر؟

ورفع محمود رياض صوته وقال لي:

ـ يا شيخ سيبك من عبد الحميد غالب. دا كان يكتب تقارير ضدي وضد كل الناس. واذا لم يجد احدا يكتب عنه او يكتب ضده، كان يكتب عن نفسه. الرجل مش سياسي ابدا. خلاص، دي كانت مرحلة ومضت! قلت معلقا: ولكن تلك المرحلة بتداخلات امثال اللواء غالب في لبنان قد تركت جروحا عميقة في لبنان وفي مصر وفي السياسة العربية، لم تلتئم بعد..! وهكذا تداخلت الحلقات وتشابكت:

ـ عبد الناصر يتولى معاجلة اخطر القضايا العربية والدولية.

ـ بعض السفراء ـ لمصر وللعرب ـ ينافقون ويكذبون ويكتبون.

ـ بعض المستشارين لعبد الناصر، يضحكون في الازمات، ويلطمون في الافراح..! ـ الحقائق التي يفترض ان تصل الى الرئيس، تصله منقوصة او مغلوطة او متعمدة او مشوهة.

ـ عبد الناصر ـ بانشغاله المستمر في الداخل والخارج ـ لا يملك الوقت ولا القدرة على ان يتحول الى آلة اوتوماتيكية قادرة على ان تكشف الصادق من الكاذب.. والصحيح من الغلط! ـ المكتوب على كل حاكم او ملك او رئيس او مسؤول ان يواجه اسرائيل حربا او سلما، عاجلا ام آجلا؟

وعندما حانت ساعة المواجهة ـ او ساعة الامتحان ـ بين القاهرة وتل ابيب، او بين عبد الناصر ورجال العدو من امثال دايان، واشكول، ورابين، كانت المعلومات «الناقصة» عن الاوضاع من حظ عبد الناصر، وكانت المعلومات الصحيحة عن الاوضاع في جعبة رجالات العدو.. الاسرائيلي! وعلى الذين يتساءلون عن سر الهزيمة في حرب الايام الستة مراجعة ما كان عند عدونا من اسرار خطيرة، مقابل ما كان عندنا من معلومات.. واخبار.. وتقارير كاذبة؟

بس، ولا يحتاج الامر الى اكثر من ذلك..

الاثنين المقبل: اهتم بالخارج فأضاع الداخل

*حقوق النشر محفوظة ـ خاص بـ «الشرق الأوسط»

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال