الاثنيـن 19 رمضـان 1431 هـ 30 اغسطس 2010 العدد 11598 الصفحة الرئيسية
 
حمد الماجد
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
ابن باز والقصيبي

طيلة مدة عملي مع غازي القصيبي التي امتدت لأكثر من سبع سنين لم أره متوترا مثل توتره عندما أثار معي موضوع بيان الشيخ ابن باز - عليهما جميعا شآبيب الرحمة - الذي كتبه سماحته حول مقابلة القصيبي مع الـ«نيوزويك» في السبعينات الميلادية، والتي نسب إليه فيها أنه قال: إن الجزيرة لم تر النور منذ 3000 سنة، ومع أني لم أسأله عنها لا تلميحا ولا تصريحا، إلا أن غازي حكى لي في التسعينات ما حدث في نهاية السبعينات وكأن البيان صدر صبيحة لقائي به. قال لي القصيبي إن الذي تولى كبر هذا الموضوع وإبلاغ الشيخ ابن باز بهذه العبارة أحد الإخوان المسلمين في مصر، كان موظفا في وزارته، وإن هذا الرجل كان له تجاوزات في وزارته، فقام غازي بفصله، فجعل بعدها (ومن منطلق ثأري حسب تعبير القصيبي) يبحث وينقب إلى أن عثر على ضالته في قصاصة الـ«نيوزويك»، فأقنع ابن باز فنشر بيانه المعروف، وهذا هو الذي أشار إليه القصيبي في رثائيته لابن باز، قال ما نصه: «كان البعض غفر الله لنا ولهم قد دقوا بين الشيخ وبيني (عطر منشم)، ونقلوا ما نقلوا إليه مشوها محرفا وخارجا عن سياقه». قلت: ويا ليت هذا البعض ما دق هذا العطر الكريه، هي عبارة ندت، أو كلمات فلتت، ربما أخطأ في التعبير، أو خانه اختيار الكلمات، بالتأكيد العبارة مزعجة، لكن من المؤكد، لمن سبر سيرة القصيبي وعاش معه عن قرب، استحالة أن يقصد ظلامية العهد النبوي والعهود التي بعده، وتتأكد هذه الاستحالة بسبب خاصية في غازي أجمع عليها المختلفون معه قبل المتفقين معه، وهي جرأته الشديدة في التعبير عن قناعاته السياسية والفكرية والأدبية وحتى الدينية.

قد يتصور من لا يعرف القصيبي أن هاجس الاختلاف الآيديولوجي مع هذا الموظف «الإخواني» هو سبب فصله، وأنا أشهد أن القصيبي ليس من النوع المسكون بتصنيف الناس في تعامله الوظيفي، أغلب الطاقم الذي عمل مع القصيبي في سفارة لندن من المحافظين، مع أن السفير في الغالب هو الذي ينتقي أو على الأقل يوافق على ترشيح العاملين معه في سفارته. غازي هو الذي رشح كويتب هذه السطور في التسعينات للعمل مديرا للمركز الإسلامي في لندن وأرهقته إجراءات الترشيح التي طالت وتعقدت حتى أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية قال لي عندما قابلته ذات مرة في لندن: «أنت الذي أشغلنا غازي بسببك؟»، وغازي هو الذي بارك ترشيحي للمدير الحالي الصديق الدكتور أحمد الدبيان، وكلانا خريج جامعة الإمام.

عندما تولى غازي حقيبة الصحة كان سكرتير الوزير رجلا متدينا، بل من النوع الذي يهوى «النهي عن المنكر» هاتفيا عن طريق التواصل المؤدب مع مسؤولي القطاع الخاص والعام، فالنتيجة المنطقية التي قد يصل إليها بعض المختلفين معه هي أن «ليبراليا» مثل غازي لن يتحمل «محافظا» جدا مثل هذا الرجل ولو ليوم واحد، خاصة أنها وظيفة لصيقة به، ومظنة الدخول في أسرار حياته، الذي حدث أن مسؤولا شرعيا كبيرا بمرتبة وزير طلب من القصيبي الإذن بانتقال هذا الموظف إليه، فرفض غازي، وظل هذا الرجل «الناهي عن المنكر» بجانبه حتى ترك غازي وزارة الصحة، يقول لي سكرتيره «المحتسب»: كان غازي في أسفاره دوما يجمعنا في جناحه لصلاة الجماعة، وهو الذي يوقظنا لصلاة الفجر، وكنت حين أرقبه يتوضأ أشفق عليه من كثرة بلل الماء الذي يصيب غترته وثيابه.

h.majed@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
احمد الواسطي، «الدنمارك»، 30/08/2010
رحمك الله ايها القصيبي , ايها الشاعر الكبير والاديب العملاق والسياسي المرموق والسفير النادر والوزير المثابر , لقد كان رحمه الله وادخله فسيح جناته طاقة جبارة وهدير فكري ومعرفي لا ينضب ولا يتلاشى , خسرناه في وقت نحن في امس الحاجة الى مثل شخصيته المتطلعة للتقدم والحداثة والتجديد واصلاح سكة العرب المعطوبة التي تآكلت مع الزمن ولا يوجد من يصونها ويعيدها الى طريق الحياة , في الشعر كان ينبوع ثري ومعين لم يعتره النضوب , كان قوي اللفظ , مليح المعنى رقيقه , فاوجد في قصائده نغما ملذا ونبضا حيا , كان هجوميا اقتحاميا لا تاخذه في الحق لومة لائم , ساهم بشكل كبير في مدرسة الحداثة الشعرية والادبية والسياسية , فمن النادر ان تجد شخص يمتلك مواصفات متعددة مـتألقة كما امتلكها هذا العقاب الجارح لأعداه ولأعداء الحداثة , ان الارث العلمي المتعدد الوجوه الذي تركه هذا القصيبي الصنديد سيكون معلم تعليمي تتربى به وبمعيته اجيال واجيال من الشبيبة العربية التي تحمل على اكتافها عبء النهوض العربي في قادم الايام , الرحمة والمغفرة للأنسان غازي القصيبي وجنان الله الواسعة سوف تكون ابوابها مفتوحة له , والصبر والسلوان للجميع.
جمال الدوبحي كوالالمبور ماليزيا، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
صحيح أن القصيبي رحل عن هذه الدنيا وهذه سنة من سنن الله في هذه الدار (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) لكنه رحل رحيل العظماء والجهابذة فهو - رحمه الله - ترك لنا إرثاً إبداعياً كبير و رحيله كان فاجعة وخسارة فادحة للثقافة والأدب العربي كونه اغنى المكتبة العربية واثراها بنتاجاته المميزة ، لكن الذي أحب أن أشارك به كاتب هذا المقال (حمد الماجد) أني وجدت هنا في ماليزيا طلبة ماليزيين مهتمين بدراسة اللغة العربية قد تأثروا برحيل القصيبي .. فالقصيبي رجل كتب الله له القبول في الأرض نحسبه كذلك والله حسيبه.
رحيل، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته غازي رجل الإستثناء ,, ننتظر المزيد فيبدو أن بجعبتك الكثير من فضائل غازي
القلوب .. شكرا جزيلاً للكاتب
جاسر، «فرنسا»، 30/08/2010
طيبة استاذ حمد ،ان ما كتبته يبرهن مدى محبة الناس لقصيبي ومدى اخلاصه وتفانيه لعمله لخدمة الامة فالذي وثع ما بين
القصيبي و الشيخنا العلامة ابن باز بدخول شخص اخر انها ولكن عفى الله عما سلف وتغمدهما الله بواسع رحمته
ورمضان كريم
علي التميمي-الرياض، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
اين هذا الكلام ايام حياة غازي رحمة الله, اينه ايام كانت السهام المسمومة بالحقد والظلم والعنجهية تضرب في قلب وعين وشرف غازي بأسم الله ,اين هذا ايام كان غازي يسهر اليالي يأن من الالم وظلم ذوي القربى, اين هذا اين ؟ لولا ان غازي كان رجل نادر المثال مؤمن بالله وصبر وصابر وجاهد وتجلد في وجه المنافقين لكفر باشياء كثيرة في حياتة, واول من تخلى عنة هم من يتباكون علية ويدعون صداقتة وحبة الان, فكفاكم تباكيا على غازي فقد استشهد مرفوع الرأس قوي الايمان, اتمنى ان تبكون انفسكم الضعيفة وتبكون خوفكم وتواريكم وترككم قول كلمة الحق اللتي امركم الله بها ووصف الساكت عنة بأنه شيطان اخرس.
زياد، «الولايات المتحدة الامريكية»، 30/08/2010
الله يغفر له ويرحمه وموتا المسلسمين اجمعين-هؤلاء هم رجال السعودية الاوائل بأوا يندثرون حاى وان كان لديهم فكر
يعتبر منفتح فهم في انفسهم متمسكون بعقائدهم
مروان - الإمارات، «الامارت العربية المتحدة»، 30/08/2010
مقالة جيدة،تحدث حمد الماجد حديثا إنسانيا صادقا فله الشكر ..
يحيي صابر شريف - مصري -، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
من الأمثلة الشعبية المنتشرة في مصر ( مالقيوش علي الورد عيب قالو احمر الخدين ) والمصالح اذا ارتطمت بحاجز
مشكلة ولكن تجاوزها تتطلب من ضعيفي النفوس حيلا غير اخلاقية فالمهم هو ومن بعده الطوفان وهذا يحدث كثيرا للأسف
ولكن المشكلة هو الباس ثوب الدين لتلك الحيل وتلك هي مكمن الخطورة حيث ان هؤلاء يدركون تفشي الجهل في منطقتنا
العربية بالاضافة الي ان الشعوب العربية شعوب متدينة بالفطرة وبالتالي اللعب علي هذا الوتر يشد سامعيه وما حدث مع
المرحوم غازي القصيبي حدث مع كثيرين ممن ارادوا المساهمة في تثقيف شعوبنا العربية .
حمد، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
ما أحوج البلاد الأسلامية لآلاف الرجال من أمثال غازي رحمه الله
محمد أحمد، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
و أزيد أن من أقرب المقربين لغازي القصيبي فى وزارةالصناعة والكهرباء المرحوم محمود طيبة و هـو شخص متدين
جدا.
إبراهيم برهوم، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
أشكرك أخي حمد الماجد على هذا المقال.
سعيد الغامدي، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
رحمك الله ياغازي القصيبي رحمة الابرار-من ابيات غازي القصيبي :سيرة الإسلام لاتشبه سيره-جيرة البيت وهل كالبيت
جيره-وثرى طيبة مسك ولجين
ابو عبدالله، «فرنسا ميتروبولتان»، 30/08/2010
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الحج : 69]
إيمان عبدالله، «فرنسا ميتروبولتان»، 31/08/2010
يسلم قلمك يا دكتور حمد..يالله !! كم نحن في إحتياج لذوي الفكر النير امثالكم..كلامك صواب واطروحاتك دائما تمتاز
بالإتزان وهذا ما يجعلنا جميعا نصدق هذا الكلام المتزن عن غازي القصيبي رحمة الله عليه..اتحفنا واسمعنا مزيدا من
تجاربك معه..فنحن في تعطش لمعرفة مواقف طبيعية جمعتكم في بريطانيا.. ولك تحياتي
ابو صالح، «المملكة العربية السعودية»، 31/08/2010
رحمك الله ابا سهيل رحمة واسعة فقد كنت مناراً يستضاء به

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال