الجمعـة 28 ذو القعـدة 1421 هـ 23 فبراير 2001 العدد 8123 الصفحة الرئيسية
 
نور الدين سعيد ويسي *
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
مخاوف من خروج صدام من «الصندوق»
منذ مجيء حزب البعث للسلطة في العراق، وعلاقة هذا النظام مع الكرد علاقة استبدادية، حيث كانت وما تزال استراتيجية البعث في العراق تجاه القضية الكردية تتمثل في محو وإبادة الكرد، وما ممارسات وسياسات النظام العراقي خلال ما يقرب من ثلاثة عقود الا دليل واضح على نياته تجاه الكرد، حتى وصل الأمر الى ممارسة أقصى درجات القسوة والدمار بحق الشعب الكردي، حيث لم يتوان النظام عن استخدام الاسلحة البيولوجية والكيماوية في مدينة (هه له بجة) وممارسة سياسة الأرض المحروقة.

الآن وبعد مضي عشر سنوات على فرض الأمم المتحدة الحصار الاقتصادي على العراق جراء غزوه لدولة الكويت الجارة التي ساعدت النظام العراقي في أحلك ظروفه، بدأ النظام يهلل لهذا الانفتاح النسبي لبعض الدول العربية والاجنبية عليه، حيث يفسر المسؤولون العراقيون هذه المستجدات بتآكل الحصار وقرب عودة العراق الى حظيرة المجتمع الدولي.

لا يخفى على أحد بأن الشعب العراقي هو الوحيد الذي يعاني من ويلات الحصار وآلامه، حيث دفع ثمن سياسات نظامه العدوانية باهظاً، وتحول العراق بفعل هذه السياسات الى بلد للاشباح، ويعاني الكرد في كردستان العراق من حصار مزدوج، فاضافة للحصار المفروض على العراق، فرض نظام بغداد ومنذ انتفاضة الكرد في مارس (آذار) 1991 حصاراً آخر على منطقة كردستان العراق، حيث يمنع وصول النفط والوقود الى المنطقة التي هي بأمس الحاجة اليهم.

لذا فمع تطور الاحداث على الساحة العراقية وازدياد التكهنات بقرب عودة النظام الى المجتمع الدولي، تتزايد مخاوف الشارع الكردي، حيث يرى بأن أي انفراج يحدث للنظام، سوف يطلق يديه لينقض على الكرد وينتقم منهم، ويعود الى ممارسة العنف والبطش بحقهم، حيث ما زال يمارسها ضد المناطق الخاضعة لسيطرته، سيما الكردية منها.

ان لمخاوف الكرد في كردستان العراق من فك الحصار عن النظام والخروج من عزلته أكثر من سبب:

أولاً: رغم حدوث التغيرات الهائلة في العالم، وسقوط الأنظمة الدكتاتورية في عدد كثير من الدول وهبوب رياح الانفتاح والديمقراطية، إلا ان النظام العراقي ما زال ينتهج العقلية القديمة البالية نفسها التي عفى عليها الزمن والتي لم ولن تجلب لشعب العراق سوى الدمار والذل والخراب، وما مواصلته لسياسته القمعية في ترحيل وتهجير الكرد في كركوك وخانقين والمناطق الكردية الخاضعة لسيطرته، إلا خير دليل على ذلك، هذا ناهيك عن متاجرته بمعاناة أطفال العراق واستخدامهم كدرع بشري للابقاء على نظام حكمه وتمرير سياسته، حيث في الوقت الذي تتزايد فيه معاناة الشعب العراقي جراء استمرار الحصار الدولي، فإن النظام العراقي يواصل وبسخاء صرف الأموال الطائلة من عائدات النفط في بناء القصور الرئاسية الفخمة والانغماس في الترف والحياة الباذخة.

وعلى رغم ان الحزبين الكرديين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني يعبران دوما عن رغبتهما في حل المسألة الكردية في العراق بالحوار والطرق السلمية ويدعوان النظام ليل نهار الى قبول حل القضية في اطار عراقي ديمقراطي فيدرالي، فان النظام لم يكترث ولو مرة لهذه الدعوات السلمية، بل يصف دائماً الوضع في كردستان العراق بـ(الشاذ) و(الخارج عن القانون) وينتظر أن تسنح له الفرصة للاجهاز عليه، وسلسلة التفجيرات التي نفذها النظام أخيراً في مدينة آربيل عاصمة الاقليم وراح ضحيتها عدد من المواطنين الابرياء وكذلك محاولة وحدات عسكرية عراقية احتلال قصبة (باعدري) في محافظة دهوك خلال الاسابيع الماضية، دليل واضح على ذلك.

ثانياً: عدم وضوح الموقف الدولي، سيما موقف الولايات المتحدة الاميركية من القضية الكردية، فرغم ان المسؤولين الاميركيين يعبرون بين فينة وأخرى بانهم سوف يستمرون في حماية المنطقة الآمنة في كردستان العراق، الا ان المواطن الكردي غير مطمئن البال، نظراً لانه يشعر بأن الادارة الاميركية سوف تتخلى عن حماية المنطقة حالما تقتضي مصالحها في المنطقة عودة النظام العراقي الحالي الى المجتمع الدولي.

الاكراد خنجر في خاصرة العرب؟

ثالثاً: وما يحز في نفوس وقلوب الكرد كثيراً هو تعاطف بعض المثقفين العرب مع النظام العراقي، رغم انهم يدركون جيداً ان هذا النظام لم ولن يجلب للعرب سوى المآسي والكوارث، والآن يحاول النظام ذر الرماد في العيون ويتاجر ويتخندق زوراً وبهتاناً، خلف أنبل قضية عربية إلا وهي قضية فلسطين وذلك من أجل تمرير سياساته العدائية.

كما ان مقاربة بعض المثقفين العرب للقضية الكردية أمر مؤسف جداً، حيث يعدونها خنجراً في خاصرة الأمة العربية وقنبلة موقوتة ضد الأمن القومي العربي، رغم دعوات ومبادرات الكرد المستمرة من أجل تعزيز وتعميق أواصر الصداقة بين هذين الشعبين اللذين تربطهما روابط الدين والجوار.

لكن الى متى يظل الكرد يصفقون ومن طرف واحد لتعزيز وتمتين هذه الصداقة؟ وكما قال أحد المسؤولين في حكومة اقليم كردستان رداً على المواقف السلبية لبعض المثقفين العرب تجاه الكرد واداراتهم (لماذا يحرص هؤلاء المثقفون على صداقة شعوب العالم وتضامنها مع القضايا العربية، بينما يرفضون صداقة الشعب الكردستاني من دون كل الشعوب؟).

هؤلاء المثقفون وعند الحديث عن القضية الكردية يرددون دائماً اسطوانة علاقة الكرد مع اسرائيل، لا شك في ان العلاقات الكردية ـ الاسرائيلية كانت محدودة جداً، بشكل لا يمكن وصفه بالعلاقة، بينما دخلت الحكومات العربية ومعها منظمة التحرير الفلسطينية في لعبة غير متكافئة وغير متوازنة مع اسرائيل، لذا فان جوهر العداء هذا لا يكمن في علاقة الكرد مع اسرائيل التي كانت في فترة زمنية محدودة، بل هدف هؤلاء المثقفين العرب هو توجيه اتهامات دائمة للكرد، لكن يجب ان يدرك هؤلاء جيداً أن الدفاع عن طموحات وتطلعات الشعب الكردي هو دفاع عن قضايا وتطلعات الشعب العربي أيضاً.

* كاتب وصحافي كردي ـ أربيل ـ كردستان العراق

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال