الاربعـاء 18 رجـب 1426 هـ 24 اغسطس 2005 العدد 9766 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
مذابح الأبرياء في العراق: تكفي لتصنيف «البعث» إرهابيا

بات العراقيون يميزون هوية الجاني في مسلسل الموت إرهابياً من شراة الجنة، أو بعثياً من شراة السلطة. الأول ينتحر وينحر، بينما الثاني ينحر ويهرب. وما يجمع بين الاثنين هو عدم تقيد النحر بشروط، لا يهم عندهما جنس المقتولين ولا مسؤولياتهم. فالعراقيون، بعرف هؤلاء، خصماء حلال دماؤهم ما قاموا ببلاد لا تنوي تطبيق شريعة الأزارقة، ورغبت عن البعث وممارسته. وكيف لا ترغب بلاد عن تلك الأيام وقد شهدت التصفيات البدنية بأهلها، بسبب رؤيا نائم أو همسة معترض! وها هي تعيش حلاوة الاختلاف السياسي والفكري، والشغب البرلماني الحر.

أيزيدي يقف وسط حشد مسلم، بين معمم وأفندي، ويحاول منع رئيس الوزراء من التعوذ لفلسفة دينية لا صلة لها بعبادة إبليس. ونساء يعتصمن أمام الجمعية الوطنية ينادين ضد سنِّ قوانين تميزهنَّ عن شركائهنَ بالوطن. وأول مرة يرفع العراقي صوته ويطالب بسد عوزه، ويشير إلى السارق والجائر من أرباب الدولة باسمه وجنايته. ويحتدم الصراع الفكري عبر مناظرات وملاسنات، تجري بين قوى تحاول تثبيت دولة قانون وبين أخرى تحاول تحجيم الديمقراطية على مقاسات المذهب أو العشيرة.

مذابح الأبرياء تسر الضمائر التي لا تميز بين الدم والماء، ولا يعنيها العراق بشيء بقدر ما يعنيها أمر الدفاع عن صدام حسين وبطولاته، وتلفيق حكاية إلقاء القبض عليه وهو يرتل القرآن، شأنه شأن النساك والصالحين! وإشاعة حزنه الملفق على حال الفلسطينيين والعرب. ليس أنشط اليوم من منظمات البعث بالسودان والأردن واليمن ولبنان في إصدار البيانات، وعقد المؤتمرات لتجميل صورة حقبة البعث المطوية.

ما زال البعثيون ينشطون ويخططون لمذابح الأبرياء، وكل واحدة منها تكفي أن يوصم هذا الحزب دولياً بالإرهاب، ويستوجب وتقييد نشاطه في المقاومة المزعومة، شأنه شأن النازية بعد سقوطها. ومبررات ذلك ارتباطه بدوائر الإرهاب، فالدولة الأردنية أفصحت عن مطالبتها بأبي مصعب الزرقاوي، ولم تستجب سلطة بغداد البعثية لطلبها، وأن أيمن الظواهري كان ضيفاً ببغداد في إحدى المؤتمرات القومية. إن التركيز على صدام حسين ودائرة المقربين له، وإعفاء حزب البعث من ارتكاب الجرائم بحق الإنسانية، داخل العراق وخارجه، أمر يهون من فظاعة تلك المرحلة، ويقلل من شر عودتها ثانية. فمن غير الجرائم التي ارتكبت داخل العراق، أو ان السلطة و(المقاومة)، كانتا قد حولتا دبلوماسية النظام السابق عواصم العديد من دول العالم إلى مسارح للجرائم: اغتيال توفيق رشدي بعدن، ومهدي الحكيم بالخرطوم، وعبد الرزاق النايف لندن، وحردان التكريتي بالكويت، وعبد الرزاق قلق بباريس، وعادل وصفي وطالب السهيل ببيروت، والقائمة تطول.

وحتى هذه الساعة لم تعلن جهة بعثية أو قومية عروبية براءتها من فعل البعث العراقي في السلطة وخارجها، بل على العكس أخذت الصحف المنحازة تنشر بيانات البعثيين، وتدبر أمر مؤتمراتهم، وآخرها كان ببيروت (28 ـ 29 تموز 2005). وتنشر كلاماً لصدام على أنه شعر «إن لم تكن رأساً فلا تكن آخره، فليس الآخر سوى الذنب». وقد عبر مثل هذا اللغو عن حقيقة الموقف البعثي من الديمقراطية والتعددية، أنهم لا يريدون غير السلطة، وتدمير مَنْ يعترضها. وتحقيق شعارهم، الذي أعلنه أحمد حسن البكر «جئنا لنبقى». وبطبيعة الحال أنهم كانوا صادقين بإطلاق هذا الشعار، وعملوا من أجله طوال خمس وثلاثين سنة. لكن، لم يدر في خلدهم تبدل الدنيا، وتحول الصديق إلى عدو، مثلما حصل بعد غزو الكويت.

تسر مذابح الأبرياء الشريحة غير القانعة بتبدل الأحوال، فتحاول جاهدة إحياء سُنَّة دعا الفقيه الحسن البصري أن لا يعيدها الله على العراق والعراقيين، يوم رفع يديه متذرعاً لحظة سماعه بموت الحجاج بن يوسف الثقفي: «اللهم أنت قتلته، فقطع سنُّته». سُنَّة لم يتأخر الخليفة عمر بن عبد العزيز عن وصفها بالقول: «لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم»!

الحلة، والمسيب، وبغداد الجديدة، والمدائن ومحطة النهضة كلها مناطق مرصودة رصداً طائفياً، القتل فيها يرضي السلفية لأن أهلها كفرة بعرفهم، ويرضي البعثيين لأنهم طلبة حق المدفونين في المقابر الجماعية، وضحايا سموم حلبجة، وعمليات الأنفال، والمغيبين في غياهب السجون، وحق ضحايا نزوات البعث في عصريه الحرس القومي وجهاز حُنين. محطة النهضة بوابة بغداد إلى شرق وجنوب العراق وكركوك وأربيل وبعقوبة، مكان مزدحم بباعة الماء صيفاً، وبباعة التمر والراشي والشلغم شتاءً. دار سفر ومسطر عمال، ويزدحم بحلاقي الأرصفة وصباغي الأحذية، وعلاوي خضار يختلط فيها خيار وطماطم الرمادي بخيار وطماطم بعقوبة والصويرة، وباعة ألبسة بالية. فمَنْ يتردد على مكان بهذه المواصفات غير اللاهثين وراء لقمة العيش. سيارتان تركتا عشرات القتلى من هؤلاء. وإمعانا بالقتل حالت سيارة موت ثالثة بين الجرحى والمستشفى.

أحزنت تلك المذابح أول ما أحزنت المكتوين بها من أمهات وآباء وأرامل وأيتام، ومَنْ لم يلوث قلمه بالدم العراقي من كتاب السياسة والثقافة والفكر العرب، وبادر إلى شجبها واستهجانها. أما المسرورون بها فبين مجاهر بالتأييد وبين صامت راضٍ. وبهذا ليس من العدل مساواة حزن الشيخ عبد الغفور السامرائي، رئيس الوقف السُنَّي، بمسرة مَنْ أيدها أو لاذ بالصمت من شيوخ هيئة علماء المسلمين عندما عرض عليه شجبها. وليس من العدل مساواة حزن حاجم الحسني، رئيس الجمعية الوطنية، بمسرة مَنْ يحاول ترويج مفاهيم القتل. إن حزن الكبار من أمثال الشيخ السامرائي والدكتور الحسني، وكل مَنْ حمل كفنه على كفه من أهل السُنَّة، وساهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، هو العاصم من فتنة طائفية لا منتصر فيها ولا مهزوم.

أحسب أن التاريخ سيتذكر، بعد دهور، مذابح العراق، لكبح ولادة عهد جديد خالٍ من القسوة، بما حُكي عن ممارسة الملك الروماني هيرودس الكبير، يوم وضع السيف في رقاب أطفال فلسطين حتى لا يولد المسيح، وقد أشير إلى تلك الجريمة النكراء بـ «مذبحة الأبرياء».

> > >

التعليــقــــات
اسامة الحصرى، «مصر»، 24/08/2005
إذا كانت الحرية هى أن تسير على كل هذه الجماجم العراقية البرئية فقد فقدت كل مغزى ومعنى لها وصارت أشبه بجحيم دانتى، بل أن الجحيم الذى صوره ذلك الفنان الإيطالى وخلده العالم يتضاءل أمام ما يخطط له هؤلاء الإرهابيون من جحيم ولوعة الإمهات والأرامل ، نتفهم أن يقاوم أى شعب محتل الغزاة ولكن إذا كان أكثر من نصف الشعب لايرى فى ذلك احتلالاً ويعتبر أنه تحرير او أن ذلك الاحتلال أرحم من حكم البعثيين فهم احرار.
محمد أحمد محمد، «مصر»، 24/08/2005
أتفق معك يا أستاذ رشيد الخيون في أن مذابح الأبرياء في العراق تكفي لتصنيف البعث إرهابياً .أعتقد أن البعثيين مثل النازيين الألمان.هؤلاء البعثيون لا يهمهم العراق ولا الشعب العراقي، المهم عندهم هو العودة الى كراسيهم التي فقدوها.هؤلاء ينفذون تفجيرات إرهابية في العراق -كل ضحاياها من العراقيين- لينشروا الفوضى ويزعزعوا الأمن والإستقرار ويفشلوا مسيرة الديموقراطية في العراق تحت إسم مقاومة الإحتلال الأميركي و هم في الحقيقة يريدوا ان تخرج أميركا من العراق ليس لأنهم وطنيون و انما ليعودوا الى السلطة.
فخري عبدالهادي، «الولايات المتحدة الامريكية»، 24/08/2005
بارك الله فيك .اقرؤا وعوا.
مازن العلي، «فرنسا ميتروبولتان»، 24/08/2005
سيدي العزيز إذا كان البعث قد سقط وولى وبقي ما بقي من أيتامهم يقتلون هنا ويفجرون هناك فأنا اتفق معك في هذا . ولكن الذين يدخلون البيوت على حين غفله من أهلها ويقتلون أهل البيت ويسرقون، هؤلاء ماذا تسميهم ؟ والذين يغتالون أئمة الجوامع وفي أيديهم قوائم بأسماء طيارين وضباط جاءت من إيران لتصفيتهم باسم الحكومة الحالية التي تحكم من وراء السياج الكونكريتي ولا يستطيعون الخروج إلا بعد بدء حضر التجول من أجل تصفية الأسماء التي لديهم في قوائم الاغتيالات . يجب أن نذكر أن البعثيين هم الذين حموا العراق من غدر الفرس والبعثيين لم يكونوا يوما طائفيين ولا عملاء للأجنبي.
سارة السعدون، «السويد»، 24/08/2005
دماء الابرياء قربان لعهد جديد والتاريخ الجديد لابد وان تعمده الدماء ، والحقيقة أن العراق الجديد لايمكن تعميده دون تضحيات كبيرة لحجم المعارضين له وفي مقدمهم البعثيين ، والحقيقة المؤلمة إنهم لطالما اوحوا للآخرين ان الحزب إمتياز سني ودللوا على ذلك بالترويج أن القادة الكبار في التاريخ العربي هم من العرب السنة وملأوا الكتب المدرسية بهذه الثقافة الطائفية الفجة ، يجب أن لا نفاجأ حين نرى اليوم من يدافع عن البعث من اهل السنة في العراق واتهام كل من يختلف معهم بالعمالة للفرس .
الدكتور محمد حسين اليوسفي، «الكويت»، 24/08/2005
هنيئاً للعراق الجديد بأمثال الأستاذ رشيد الخيون، بإحساسه الإنساني المرهف، وبنزعته الوطنية الأصيلة، وبثقافته الواسعة. ما دام في العراق أمثال الخيون فلا خوف على العراق الجديد ولا هم يحزنون، وسيصل حتماً إلى بر الأمان، وستتأصل ديمقراطيته في النفوس، وستكون بغداد منارة تنير دياجير الظلمة العربية.
سامي الجابري، «الدنمارك»، 24/08/2005
كيف يرتضي العروبيون تصنيف الحزب الذي أطعمهم سحتاً حراماً كحزب إرهابي الفكر والعقيدة.
علي كامل، «سويسرا»، 24/08/2005
بارك الله فيك هذا هو الواقع قلته ، إنه الإرهاب البعثي الجرثومة السرطانية التي اذا ما اجتثت انتشرت وخربت، هذا هو البعث الذي انتشر في العراق خلال العقود الماضيه وخرب ودمر.
محمد الشريف، «المملكة المتحدة»، 24/08/2005
مقال عميق نادر الجودة.
عبود الكرخي، «التشيك»، 24/08/2005
الذين يقتلون الأبرياء في العراق الآن هم الذين قتلوهم أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، وما سمي حرب تحرير الكويت والحصار الجائر الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق. الذي يقتل الأبرياء هو جيش الاحتلال والمتعاونون معه من الإيرانيين والعراقيين الموالين لإيران من أعضاء فيلق بدر.
أما من يقاوم الاحتلال فلا يمكن أن يستهدف الشعب العراقي. نعلم من تجارب المقاومة لدى الشعوب التي تعرضت للاحتلال أنه لا يمكن للمقاومة العمل والاستمرار بدون دعم وتأييد الشعب لها. وقد شبه ماوتسي تونغ العلاقة بين المقاومة والشعب بالعلاقة بين السمك والبحر.
العمليات التي تستهدف الأبرياء في العراق يقوم بها الاحتلال وأعوانه والقصد منها إيهام الشعب العراقي بأن المقاومة هي المسؤولة عن هذه الجرائم لكي يحرموها من الدعم الشعبي فيسهل لهم القضاء عليها.
Rozhgar Shawkat، «المانيا»، 24/08/2005
المقاومة هي لإنقاذ الشعب من الموت والظلم وليس قتل الشعب لكي تسمع الناس عن المقاومة.عندما كانت الأحزاب المعارضة تناضل ضد الحكم الصدامي كانت حذرة جداً من أن لا تضر فعالياتها بالمدنيين . وتختار أهدافها بدقة وحاولت قدر الإمكان ان تكون بعيدة عن الأهداف التي كانت استهدافها تضر بالمدنيين. الكتابة على الجدران ، نشر البيانات الحزبية، و الإذاعة كانت الوسائل التي من خلالها حاولت المعارضة توعية الشعب و النيل من النظام القمعي البعثي .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال