الاربعـاء 09 شعبـان 1426 هـ 14 سبتمبر 2005 العدد 9787 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
العراق: إحياء تهمة الشعوبية.. والتخوين بالتعجيم..!

أخذت مادة مسودة الدستور العراقي، الخاصة بانتماء العراقيين القومي، حيزاً كبيراً من اهتمام العرب السياسي والإعلامي، وهو يتراوح بين حريص على صلة العراق بالمحيط العربي وبين باكٍ على اندحار الفكر العروبي بسقوط نظامه الأمثل، ملوحاً بالشعوبية تهمة وكأنه يعيش تبادل المثالب في عصر الأمين والمأمون، وباثاً الروح في مصطلح التعجيم، الذي ينـتزع عروبة كل شيعي عراقي. يجد في ما كتبه الباحث أحمد أمين مثالاً يقتدى، فقد سبق إلى ربط الشيعة بالشعوبية. قال في «ضحى الإسلام»: «وأما التشيع فقد كان عش الشعوبية». بينما كان المرجع الشيعي الشريف المرتضى (ت463هـ)، مِن ألد أعداء تركة الشعوبيين.

قال أمين هذا وهو يعلم أن التشيع ظهر بين قبائل العرب بالكوفة، بينما تأخر تشيع إيران حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ومثلما تحولت مصر إلى التسُنَّن بانقلاب تحولت إيران إلى التشيع بانقلاب أيضاً. حتى قيل: «سبحان مَنْ جعل مصر الشيعية سُنَّية وإيران السُنَّية شيعية». ومن المفارقة بمكان أن يغضب النجفي، وهو ابن المعقل الشيعي، من الإشارة إليه بالإيراني، وإن كان مزحاً. وليس من مبالغة إذا قلنا إن كراهة مفردة العجمي عند الشيعي العراقي، لألمه منها، تشابه كراهة لفظة الشيطان عند مواطنه الأيزيدي.

وبلا دراية بتاريخ الناس، أشار أحد المعلقين السياسيين العرب إلى نائب البرلمان، حسين الشهرستاني بالعراقي الجديد. ومع اختلافنا مع الدكتور الشهرستاني، وأمنيتنا له أن يتفرغ لمجاله الذري، إلا أن الرجل عراقي أباً عن جد، فهو حفيد المثقف ورجل الدين هبة الدين (ت 1967)، ولد الجد بسامراء عام 1884، وتولى وزارة المعارف (1921)، ثم رئاسة مجلس التمييز الشرعي (1923). وقبل هذا أشار ساطع الحصري إلى محمد مهدي الجواهري بالإيراني (مذكراتي بالعراق)، وهو حسب طه حسين «صناجة العرب»، وقد تكفل بدراسة أولاد الشاعر على حساب الدولة المصرية حتى نهاية الدراسة الجامعية. وكان رد الجواهري على الحصري: «ما كنت لاستنكف أن أكون من أمة أخرى لو كنت كذلك بالفعل، لكن ساطعاً أراد أن يفرض عليَّ انتماء آخر، وأن يقدمني هدية إلى أمة أخرى» (مذكرات الجواهري). وعند الشعوبيين النبلاء من أصحاب التسوية لا فرق بين الحصري القادم تواً إلى العراق من سوريا وبين القادم من إيران إلا بالتقوى. هذا، والكل يعلم أن سوريا لم تتهم بالشعوبية عندما وقفت مع إيران ضد العراق العروبي البعثي أوان الحرب بين الدولتين.

هناك أمثلة أخرى على ربط تهمة الشعوبية والتعجيم بالمصالح الطائفية والأغراض السياسية لا بالحقائق: فالإمام أبو حنيفة، وهو إمام أغلب سُنَّة عرب العراق، يُصر على فارسيته من قبل باحثين سُنَّة، رغم أن الروايات توكد أنه عراقي من أُصول غير عربية. وأن ابن خلدون رغم كثرة ثلبه للعرب لم يتهم بالشعوبية. بينما يتهم بها أبو نواس، مع أنه ثلب العرب والموالي معاً. ومع ذلك يصر الحصري على الدفاع عن ابن خلدون، وإعجاباً سمى ولده خلدوناً، وجعل عنوان قراءة الصفوف الابتدائية «الخلدونية». بينما دفاعاً عن العرب وقف الوجيه الشيعي (الشعوبي المفترض) وزير المعارف عبد المهدي المنتفكي وطلب إبعاد اسم ابن خلدون. واتفق رأيه مع رأي متطرف عروبي الطبيب سامي شوكت، عندما دعا إلى «نبش قبره وإحراق كتبه». قال الحصري: «ابن خلدون يعتبر من أكبر مفاخر العرب.. فالدعوة إلى نبش قبره وإحراق كتبه كان يمثل هرطقة فكرية» (مذكراتي في العراق).

بعدها أطلق القوميون على مَنْ خالف حماسهم للوحدة العربية الاندماجية 1958 بالشعوبيين، دشن هذه الثقافة المؤرخ عبد العزيز الدوري في «الجذور التاريخية للشعوبية» (1962)، ودشنها رسمياً عبد السلام عارف. أخذ الأخير يشير إلى الشيعة في قيادة البعث، بعد انقلاب شباط 1963، بالشعوبيين والعجم. وبعد انقلابه على الحرس القومي أذاع بيانه الأول بعبارة: «إن ما قام به العابثون الشعوبيون». إشارة إلى الشيعة القياديين: علي صالح السعدي وسواه. وقد جرى على ألسنة العامة ما عُرف بالشينات الأربعة: شيعي، شعوبي، شيوعي، شروكي (تطلق على أهل الجنوب)، وكثيراً ما كانت هذه الألقاب تحول دون التوظيف في وظيفة مرموقة. كان إيذاء المواطن بوطنيته سياسة عريقة في الدولة العراقية، لكنها برزت نهجاً ثقافياً وإعلامياً في ظل النظام السابق، فصدر عن دار الرشيد الرسمية للقيادي البعثي عبد الله سلوم السامرائي «الشعوبية حركة مضادة للإسلام والأمة العربية». وما كتبه منظر البعث اللبناني الياس فرح كان أبلغ، ناهيك مما كتبته الدولة من افتتاحيات جارحة في «الثورة» و«بابل». فماذا يخلف مثل هذا النشاط المحموم في النفوس سوى التهاون إلى حد القطيعة مع انتماء لأرومة مبني على أساس الكراهية. والكل يعلم ليس هناك أكذب من قصة الدماء النقية، وأعنف من اتخاذها عقيدة.

الأفضل للعراقيين إعادة النظر في مفاهيم المواطنة، وهم أمة مختلطة، لا تندمل جراحهم التاريخية، من تمييز قومي ومذهبي وديني، إلا بهوية واحدة متعددة. فمثلما يصعب تحديد المذهب الديني في دستور الدولة، كذلك يصعب تحديد انتماء لأرومة عربية مع وجود الكردي والتركماني وغيرهما. بعبارة أخرى لا يعني الإصرار على تثبيت النسب القومي والمذهبي في الدستور غير ترك الجروح نازفة، وليس هناك من جدية في التطبيع والتأقلم بين نواحي العراق وكردستانه.

لقد ولى زمن استقدام قوة عسكرية عروبية وحدوية، مثل التي طلبها (1963) وزير الخارجية صبحي عبد الحميد من مصر عبد الناصر، لأجل «تليين عناد الأكراد، واقناعهم بضرورة الوصول إلى حل سلمي مع الحكومة المركزية» وبشروطها طبعاً (كنت سفيراً بالعراق). أقول: ليس هناك غير التوافق، وتكريس الهوية العراقية، بها تزدهر البلاد بعربها وكردها، بسنتها وشيعتها، وباقي مكوناتها بعيداً من تهمة الشعوبية والتخوين بالتعجيم. إن عدم تفضيل انتماء قومي أو مذهبي على آخر دستورياً هو جوهر التسوية بين شعوب العراق، تقيداً بشعوبية سليمة مستنيرة بقول كريم: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

> > >

التعليــقــــات
موسى بن سليمان السويداء، «المملكة العربية السعودية»، 14/09/2005
الإسلام يجمع ولا يفرق ولذا نجد المسلم الصالح غير العربي ينتمي بدينه إلى المسلمين ولا يلتفت الى عرقه وأصله وهذا مصداق الآية الكريمة التي استشهد بها الكاتب ولكن الإسلام أيضاً لا يرضى منا تبني مذاهب تخالف ما جاء به القرآن والسنة فنكون متفرقين في عقائدنا قال تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيءٍ. ثم إن حقيقة الواقع الذي يعيشه العراقيون من فوضى راجع لتمسكهم بمذاهب لا يدل عليها دليل من القرآن أوالسنة إلا القليل منهم، وهذا هو باب اتهام الشيعي بالشعوبية بسبب انتمائها إلى ايران الشيعية الفارسية التي تحولها من سنية الى شيعية بسبب الدولة الصفوية قبل عدة قرون. وقديماً كان يتبنى الشعوبية أفراد أما اليوم فكثيرمن الناس ينزعون بعرقهم ويتعصبون له مخالفين ومبغضين للعرب أو مفضلين عليهم العجم جهلاً بدينهم الذي ينهاهم عن ذلك.
خميس الشمري، «المانيا»، 14/09/2005
كل هذا كلام جميل ونتفق معك مائة بالمائة فنحن لا نعرف التطرف الطائفي ومتعايشون منذ آلاف السنين بسلام ووئام، متصاهرون مع الغير من العرب الشيعة والأكراد والتركمان، وحتى مع إخواننا في الوطن، المسيحيون. وكما يعلم الكثير فإن قبيلة شمر العربية أغلبيتها من العرب الشيعة لكن دخلت علينا حديثا الطائفية من الخارج وتغذت بصورة مريبة، لكن تماسك العراقيين ووحدتهم يفوت على أعداء العراق الفرصة للنيل منهم، بعربهم وكردهم، سنتهم وشيعتهم، مسلميهم ومسيحييهم، تركمانهم ويزيدييهم وصايئتهم. فليعش العراق سالما موحدا.
عمر الفاروق، «بلجيكا»، 14/09/2005
لو كانت عقلية و تفكير كل المثقفين والمفكرين مثل تفكير كاتب المقال السيد رشيد خيون، لكان العرب الآن من صفوة الأمم. وأقول له شكرا لأنك وضعت يدك على الجرح في العراق ولأن كلمة الحق في أيامنا هذه نادرة.
سجاد العامري، «فرنسا ميتروبولتان»، 14/09/2005
ايران كانت سنية إلى سنة 1502، ويزعم بعض العلماء أن الحقد الفارسي بدأ مع سقوط الدولة الساسانية على يد المسلمين وأنها تبنت المذهب السني إلى مجيء الدولة الصفوية في القرن الخامس عشر، والآن من هو الشعوبي؟
صالح عبد الحي، «تونس»، 14/09/2005
ملاحظات دقيقة لمؤلف مشهود له.
محمد نعيم، «المانيا»، 14/09/2005
بارك الله فيك يا أستاذ فالكلمة الطيبة صدقة وأرجو أن تكون مثالا للإخوة الكتاب.
سعود الحميدان، «المملكة العربية السعودية»، 14/09/2005
منذ قيام ما يسمى بالثورة الإسلامية في إيران والشيعة يوالون إيران على حساب أوطانهم والجنسيات التي يحملونها إلى أن أصبحت إيران بالنسبة لهم كالأم الحنون التي يجب طاعتها ومحبتها، فكانت تلك الدولة هي ونظامها وشعبها وأسلوب معيشتها وزعماؤها هي النبراس والمصدر الأساسي لهم، فكيف تكون الثقة في تلك الفئة من الشعب؟
هشام الملاّك، «هولندا»، 14/09/2005
إنه الإصرار على الإنتماء العرقي بدلا من الانتماء الثقافي. يجهل دعاة القومية والعروبة أن التفاخر بالنسب والعرق قد قوّض أمما وممالك على مدى التاريخ وحط من مكانة شعوبها، وكانت ألمانيا النازية آخرها عندما تسببت بكارثة إنسانية بسبب التعصب والإعتزاز القومي.
نحن عرب العراق نعتز بتراث الفكر المعتزلي والشيعي والحنفي، وتراث الدراسات الإسلامية والنحوية واللغة في البصرة والكوفة، ورسائل اخوان الصفا، أليس كل ذلك أجمل من شعارات الفداء بالروح والدم والموت لفلان وعلاّن التي جعلوها أسسا للتنمية والنهضة فحصل ما حصل من كوارث ودمار ستدفع الأجيال ولعشرين أو ثلاثين سنة قادمة ثمنا باهضا لها.
لا يمكن للعراق إلا أن يسير بنهضة إنسانية تعبر عن تركيبة واقعه الفريد والتي شوّهها النظام السابق ومزق نسيجها الإجتماعي بنعرته القومية العرقية اللئيمة، وتبعه رهط القوميين والعروبيين بغباء وجهالة.
اسعد قاسم، «المملكة المتحدة»، 14/09/2005
كلام جميل، ولكن الشعوبية هي عمل وفكر لا انتماء، فصلاح الدين ليس عربيا ولكنه عمل وقدم للأمة ما لم يقدمه العرب الأقحاح وكذلك الشعوبية، فهناك شعوبيون سواء رضينا أم لم نرض وأعمالهم تدل على ذلك مثل محاولة جعل القومية الفارسية أحد مكونات الشعب العراقي.
ahmed alaoui/maroc، «فرنسا ميتروبولتان»، 14/09/2005
الشعوبية المعاصرة هي أن تحرم على العرب إعلان قوميتهم وأن تحلل ذلك لغيرهم وأن تتحدث عن السنة والشيعة طمسا لاسم العرب فإذا تحدثت عن الأكراد وقفت عند اسمهم وحرمت أن يقال عنهم أيضا سنة وشيعة. والشعوبية المعاصرة أيضا أن تعترف بالهويات القومية لغير العرب فإذا جئت العرب طالبتهم دون غيرهم بشجرة نسبهم ولم يكفك فيهم لسانهم الموروث. والشعوبية المعاصرة ثالثا هي أن تعترف بحقوق الأغلبيات في كل البلاد من آسيوية واوربية واميركية، فإذا جئت إلى العرب أنكرت تلك الحقوق عليهم ونصرت عليهم الأقليات المتساكنة معهم في البلد.
خالد الحسين، «المملكة العربية السعودية»، 14/09/2005
الكثير من المسميات التي يطلقها البشر لتمييز مجاميعهم تتأرجح بين المستحبة والمبغوضة والمرفوضة بحسب الرأي السائد أو المفروض على تلك المجاميع، و ما يُلصق بتلك المجاميع من صفات حسنة أو سيئة مما يؤثر مباشرة على تلك المسميات.
وعلى المستوى القومي فنحن نقول إن لليهود أنبياء ولكن لا نقول إن النبي فلان يهودي.
وعلى المستوى المحلّي، وقبل عشرات السنين كان البدو يسرّون بلقبهم، وعندما يسيئهم تصرف شخص غريب ينظرون إليه بسخرية ويقولون لا تشره تراه احضري.
وعلى مستوى مدينتي أخذ مسمى بحراني معنى آخر غير معناه. فبينما كان بحراني يعني من أهل البحرين وهي المنطقة الشرقية من السعودية والكويت والبحرين وقطر، أصبح البحراني والرافضي مسميات سلبية لمعتنقي المذهب الجعفري الشيعة.
عبود الكرخي، «التشيك»، 14/09/2005
يكون العرب أكثر من 80 في المائة من سكان العراق والغالبية العظمى من عرب العراق مسلمون من المذهب الشيعي، بينما الأغلبية الساحقة من الأكراد تتبع المذهب السني. ولهذا فالتأكيد على هوية العراق العربية لا يعني سوى التأكيد على عروبة الشيعة في العراق وإنهم جزء من الأمة العربية. ولا أعرف ولم أسمع عن شخص يؤكد عروبة العراق وينفي عروبة شيعة العراق.
لقد جاء إلى العراق في فترات سابقة شيعة من ايران وافغانستان ودول أخرى وسكنوا في المدن التي تضم مراقد الأئمة في العراق كالنجف وكربلاء والكاظمية. ومن الواضح أن هؤلاء ليسوا عرباُ ولم يكونوا عراقيين. وظهر من بين هؤلاء من يعادي العروبة وينتقص من العرب ولهذا يصفهم البعض بالشعوبيين. ويروج البعض من هؤلاء للتقسيم الطائفي للعراق وشعبه ويحاول أن يمحي الهوية العربية للعراق. وقد جاء بعض هؤلاء مع الاحتلال الأميركي ونسبوا لأنفسهم تمثيل شيعة العراق وتناسوا أن شيعة العراق عرب وهم ليسوا عرباُ. ففي مجلس الحكم الذي شكله بريمر كان هناك ثمانية أعضاء شيعة من أصول ايرانية. والسيد ابراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق الحالي من عائلة باكستانية سكنت كربلاء والسيد عبد العزيز الحكيم ايراني الأصل من مدينة اصفهان.
سعد الراوي، «ايطاليا»، 14/09/2005
صحيح ما قلته من أن الإمبراطورية التي تبنى على أساس العرق هي زائلة، لكن لماذا لا تقول ذلك عن ايران التي تقول إن الأرض الفلانية فارسية وإن الخليج فارسي أم أنها الدولة المقدسة التي لا تنتقد؟
تبرزل البصره، «هولندا»، 14/09/2005
إن كل من يشكك باصول عراقي وسط وجنوب العراق فهو يشكك وحاقد على شعب عرف الكتابة والقوانين والحضارة قبل أكثر من خمسة الآف سنة ومن يريد أن يتأكد فالتاريخ واضح وصريح.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال