الثلاثـاء 16 ذو الحجـة 1434 هـ 22 اكتوبر 2013 العدد 12747 الصفحة الرئيسية
 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
الحدث في بلاد الطيبين
خذوه.. مجلس الأمن
قتلهم وسمّاهم برابرة
هم.. لا هو فقط
مجرد تغيير في الاسم
«نوبل» في الشتاء!
أين ولد الاستفتاء العربي؟
حيث يُخطف رئيس الوزراء ويشكر خاطفيه
الظبي.. ماذا فعلتم بالظبي؟
أجمل زول
إبحث في مقالات الكتاب
 
ابنة أب يحبكم

يحمل «المنتصر» معه «ثقافته» أيضا. دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى متأخرة وانتصرت مبكرة. جاءت إلى أوروبا وآسيا من وراء المحيطين، الأطلسي والهندي، على ظهر البوارج، لكنها سوف تترك في القارتين موسيقى الجاز والأغاني التي ولدت في حناجر السود في دلتا الميسيسيبي. انتقل الجاز أولا إلى نيويورك وشيكاغو ولوس أنجليس، لكنه عبر بعد الحرب إلى برلين وفيينا وباريس. ثم بلغ قلب شنغهاي في الصين. وتسهر شنغهاي مرة أخرى اليوم على أنغام الجاز، ولكن كمدينة تنافس نيويورك وشيكاغو ولوس أنجليس في الازدهار. ولم تعد تلك المدينة المكتظة بالفقر والأفيون التي يصور فيها الأوروبيون أفلام البؤس والرخص البشري.

وقد صور المخرج النمساوي فيها فيلم «شنغهاي إكسبريس». لكنه كان أكثر تعبيرا في الوصف الذي كتبه للمدينة. يصف مبنى «المركز العالمي الكبير» في وسطها بالقول: «في الطابق الأول هناك طاولات قمار، ومغنيات رديئات، وسحرة، ونشالون، وماكينات ميسر، وألعاب نارية، وأقفاص طيور، ومراوح، وبخور، وبهلوانيون وزنجبيل. وفي الطابق الثاني المطاعم ونحو 12 دكان حلاقة، ومختصون في تنظيف صمغ الأذن. وفي الثالث بائعو أعشاب طبية، ومحلات جيلاتي، ومصورون، ونبات، وفيه أيضا حمامات مفتوحة».

إلى تلك المدينة أرسل الأميركيون أشهر السفراء: عازف ومغني الجاز الباسم، لوي آرمسترونغ. وقد أفقنا نحن أيضا على موسيقاه في بيروت. وقد جاءنا عام 1959 وأقام حفلا في مبنى «اليونيسكو» أيام كان مشاهير أوروبا وأميركا لا يزالون يهفون إلى «باريس الشرق». وكم كان سهلا أن تراهم يتمشون في «باب إدريس» أو يجولون في مواقع الآثار. وكان نجيب صالحة العائد من السعودية قد بنى فندق فينيسيا كأول فندق حديث بعد «السان جورج» الشهير، فتحول الفندق إلى مكان للنجوم والمشاهير. وفيه كان الصحافي الناشئ يقابل بكل سهولة أولئك الذين لم يكن يحلم بأن يراهم إلا في السينما. وبعضهم كان طيبا ومتواضعا مدركا أنه إنما يعطي الناشئين «سبقا» يسرون به أمام رؤساء التحرير.

أحببت أغاني الجاز وروحانياتها. وحضرت في بعلبك أشهر مغنياتها، إيلا فيتزجيرالد. ثم حضرتها مرة أخرى في «البالاديوم» في لندن، يرافقها عازفها على البيانو.

أقمت منذ يفاعي علاقة عاطفية مع زنوج أميركا. قرأت كتّابهم وسفراءهم وحتى مجلتهم «إيبوني» في الستينات، وزاد الجاز في مشاعري. وقد التقت ابنتي لدى أصدقاء في إيطاليا الممثل مورغان فريمان وبادرته بالقول: «أنا ابنة أب يحبكم».

> > >

التعليــقــــات
منذر عبد الرحمن، «النرويج»، 22/10/2013
إذا كانت الموسيقى غذاء الروح، فموسيقا الجاز التي يعزفها أصحاب البشرة السمراء في أميركا هي روح الموسيقى هناك
وغذاؤها، كأنهم بها نفخوا الروح في موسيقى الغرب الأمريكي، حين تنصت بجوارحك لعزفه الرخيم الغائر في الثنايا
تستشعره لو جاز التعبير عن صدى الجاز، مناجاة موسيقية بين الأرواح، كل عازف من أولئك الزنوج المخلصين يمثل
لوحةً إنسانية رائعة في اندماجه الروحاني المستكين مع آلته، كأنهم من نظراتهم وملامحهم المرتخية، يرثون الآباء
والأجداد ويشكون زمن العبودية والتمييز، أحبهم بالأسود والأبيض في تلفزيون الستينات، بانوراما صافية تتجلى فيها قدرة
الإنسان الفاضل على خلق التواصل الإنساني بلغة الألحان. حضرت مرة، هنا في النرويج، حفلاً لفرقة جاز، لكنني أحسسته
بارداً، ليس كما هو الدفئ في جاز أهله السود، تطرب به الروح. لم أعد أخرج. استمع هذه الأيام للياس خضر! .. يعجبني.
حزين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال