الثلاثـاء 10 ذو القعـدة 1434 هـ 17 سبتمبر 2013 العدد 12712 الصفحة الرئيسية
 
غسان الإمام
مقالات سابقة للكاتب    
العرب مسرح إيراني للحرب المذهبية
من عبد الناصر إلى عبد الفتاح
الحياة على سطح الصفيح الساخن
«الإخوان» بين شرعيتهم «الحاكمية» والشرعية الشعبية
مبارزة بالفصحى بين الحريري ونصر الله
حروب «حزب الله» تؤكد هويته العسكرية
توعية العرب بالمشروع الإيراني
مصر: مسيرة «الإخوان» التاريخية ضد الديمقراطية
أميركا «الإخوانية»
لبنان الأسير
إبحث في مقالات الكتاب
 
تحييد قنابل بشار الكيماوية يستغرق 12 سنة!

فلسف الأب المواجهة مع إسرائيل. ففبرك نظرية «للتوازن الاستراتيجي» مع إسرائيل. وأرسى لتنفيذها صناعة الأسلحة الكيماوية. فأجل حرب تحرير الجولان. فلا مقاومة. ولا ممانعة. ولا رصاصة، إلا عندما يكتمل الاكتفاء الذاتي: قنبلة كيماوية، في مقابل كل قنبلة نووية إسرائيلية.

طوَّر الابن الصناعة الكيماوية. فكسب بشار سمعة وشهرة أكبر منتج للسلع السامة المحرمة. أرسى مبدأ «الموت بالجملة». برأ إسرائيل. واتهم 23 مليون سوري بالتآمر على النظام. فاختصر الأعمار بالموت الزؤام.

صار أمام السوريين خياران أحلاهما مرّ: الموت البطيء بصواريخ بشار المدمرة للحياة والمدن. أو الموت السريع السهل بكيماوي النظام. سارين بشار «شغل الوطن». يجربه المواطن المحظوظ مرة. فلا يحتاج لتجربته بالمرة. سارين بشار دوخة في الرأس. «كركبة» في البطن. رغوة زَبَدٍ على الفم. شهيق. زفير. هوب.. هوب. ينتهي التمرين بشلل العضلات. وتشنج أعصاب الرئة. وغيبة عن الوعي. تمهد للموت «الرحيم» اختناقا.

أغلق طبيب العيون المستشفى الذي لم يعد له لزوم. ووسَّع المقبرة. فتح صيدلية مجانية، لتوزيع غازات مخففة. غاز الموتار وغاز لاكريموجن. حرر بشار الاقتصاد. فموَّل السوريون موتهم بأنفسهم. من كل مائة ليرة يؤديها دافع الضرائب، تذهب سبعون ليرة لجيش النظام. ولطائفة النظام. ولرشوة حزب النظام. وعائلة النظام. وأولاد عمومة وخؤولة النظام. ولشبيحة النظام. ولأجهزة التعذيب. والتصفية. والاغتيال، في أقبية النظام.

أفاق العالم على مجزرة الكيماوي. تطلع مذهولا إلى الشاشة. من يعرف هؤلاء الموتى/ الأحياء؟ هم أبناء وأحفاد ثورة الغوطة (1925) على الاستعمار. ثورة الطبيب عبد الرحمن الشهبندر. ثورة تسلحت بنبل الثورات.

أدركت في شبابي ما تبقى من الثوار. رأيت الدموع في العيون. لم يطلبوا تعويضا من صنَّاع الاستقلال. ولا جاها. ولا منصبا. كل ما تمنوه أن يعيش أبناؤهم وأحفادهم في هناء. وحرية. وبحبوحة. فأرض الغوطة خصبة. معطاء. فحرمهم طبيب آخر من نعمة الحياة. طبيب نظام لا يملك كبرياء الدولة.

غضبت أميركا للمشهد. قرر أوباما أن يضرب ضربة على اليد. لا على الرأس. حشد الحشود. أرسل البوارج المحملة بالصواريخ الباليستية الموجهة. أعلن وزيره جون كيري أن الضربة قريبة جدا. آتية. لا ريب فيها. تردد الرئيس المثقف فجأة. لم يأت غودو الأميركي. فقد قرر تمرير الضربة من ثقب السياسة. طلب مشروعية الحرب والضرب، من دهاقنة مجلس الكونغرس.

تعجز السياسة عن الفعل. فيتوارى الساسة وراء رداء الدبلوماسية. أو يدفنون الأزمات في اللجان. زايد النواب والشيوخ على الرئيس المثقف. الصقور الذين أرادوا الحرب انقلبوا حماما مسالما. الحمائم التي طلبت السلم. سايرت الرئيس المسالم. فازداد سلما! رئيس ليس من طين السياسة. وليس له دهاء المسؤولية. متردد. متقلب. حذر. بلا أصدقاء. وحلفاء. رئيس لا يعرف شيئا عن جغرافيا السياسة. يسأل بسذاجة: كيف أتدخل في سوريا. ولا أستطيع التدخل في الكونغو؟!

آه من المثقفين! انقسم مثقفو البعث. حاروا بين عفلق وعبد الناصر. فخطف عسكر الحزب و«زعرانه» السياسة. «طيَّفوا» السلطة فخنقوا الحرية. خدع عسكر الطائفة عبد الناصر. أرسلوا إليه مثقف البعث الذي انقلب ناصريا. بكى السفير المثقف سامي الدروبي بين يدي عبد الناصر. فأبكاه. جرته الخدعة الطائفية إلى حرب بلا وحدة. فكانت كارثة النكسة.

فقد غودو المثقف المبادرة. لا هو ضرب. ولا هو حصل على قرار الحرب من كونغرس يدير أقوى دولة في العالم بعقلية مجلس البلدية. تبخر أوباما. غدا مزيجا نفسيا من الأمير هاملت الذي تأكله الهواجس، والرئيس وودرو ولسون الذي خدعه ساسة أوروبا. حارب معهم. فأطالوا عصر الاستعمار. وتركوه يموت هاذيا بين صور أسلافه في البيت الأبيض.

قفز الأرنب الروسي من كُمِّ السياسة. فغدا المستشار الأمين لأوباما! باعه «كراكيب» بشار الكيماوية. فأنقذ العائلة. والطائفة، من الضربة. المشهد ميلودراما مسرحية: ضابط سياسي ينتقم لسقوط الإمبراطورية الحمراء، من أميركا وأوروبا يقودهما مثقف ضعيف خذل مستشاريه. وأحرج وزراءه.

هربت هيلاري سلفا من المسرح. فضمنت الرئاسة المقبلة. وتركت منافسها جون كيري ينصاع لمشيئة رئيس لا يعرف فن المساومة. وقد سحب من الكونغرس ورقة الضغط المخيفة، بإلغاء التصويت على الضربة، قبل أن يستعين بها كيري في جنيف، لعقد الصفقة الخاسرة.

يجرب الدبلوماسي جون كيري إصلاح ما أفسدته السياسة. عليه إرضاء وزراء العرب الغاضبين من مزاجية أوباما. وعليه مداراة الثوار الرافضين لربط الضربة بمفاوضة بشار على تقسيم سوريا. وعليه إقناع نتنياهو بأن ضرب إيران النووية ما زال قرارا على الطاولة. وعليه إبقاء محمود عباس مسمَّرا على مائدة مفاوضات على إقامة ميني دولة، على ما تبقَّى من فلسطين في الضفة وغزة.

صفقة جنيف تفرض على بشار تسليم قائمة بغازاته الكيماوية خلال أسبوع. وتلزم بوتين وأوباما بتحييدها وتدميرها خلال ستة شهور. استنادا إلى خبراء وباحثين كيماويين فرنسيين، أقول إن بشار نفسه لا يعرف أين يخبئ قنابله. هو يقول إنها تحت السيطرة المركزية (يقصد قيادته). ثم يعود فيدعي أنه لا يعرف مَنْ أمر باستعمالها في قرى الغوطة.

يتفق الخبيران الفرنسيان أوليفييه لوبيك وجان باسكال زاندير على أن تحييد وتدمير غازات بشار عملية صعبة. معقدة. خطرة. وطويلة. قد تستغرق 12 سنة. وتقوم تقنية الإتلاف على تعريض الغاز إلى درجة حرارة عالية. الدخان الناتج عن ذلك شديد السمِّية. ويجب عدم إطلاقه في الطبيعة. وتكفي لترات متسربة لقتل المفتشين وخبراء التفكيك خلال دقائق.

تحييد غازات بشار يقتضي بناء مصانع في سوريا لمعاملة الغاز. واستعادة الطائرات. والصواريخ. ومنصات انطلاقها من القوات الكيماوية المرابط معظمها في قواعد الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر شقيق بشار. قنابل السارين وغاز «vx» الشديد السمية يمكن نقلها إلى خارج سوريا، لتحييدها وإتلافها، وفق تقنية عالية لا تملكها سوى روسيا. أميركا. ألمانيا.

تحديا لأوهام صفقة جنيف، أقول إن تدمير المخزون الأميركي/ الروسي الثنائي (70 ألف طن) ما زال مستمرا منذ 20 عاما. فأين منها أكذوبة إتلاف غازات بشار خلال ستة شهور، في ظروف حرب مدنية شرسة، تقتضي جيشا دوليا لحماية المفتشين والخبراء؟

روسيا تغالط الحقيقة. تتهم دولا عربية بتزويد الثوار بأسلحة كيماوية قذفوا بها نظام بشار. هذه الدول وقعت وأبرمت معاهدة التحريم. وهي لا تملك الآلية والتقنية الضروريتين لاستعمال الكيماوي. اتهام الأمين العام بان كي مون لبشار بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» يؤكد ما لم يقله تقرير خبراء الأمم المتحدة بأن قرى الغوطة قصفت بقنابل الصواريخ الكيماوية.

من زود الأب والابن بالأسلحة الكيماوية؟ الجواب ببساطة متناهية: أميركا. نعم أميركا. روسيا. أوروبا. إيران. كوريا الشمالية. وأضيف من عندي أن مراسلي وكالات الأنباء السوريين كانوا يعرفون منذ نهاية السبعينات أن المخابرات السورية أدارت شركات تجارية وهمية داخل وخارج سوريا لاستيراد آلية وتقنية وسلع الصناعة الحربية السورية. وعاونها رجال أعمال من السنة. ورجال أعمال من علويين مهاجرين إلى أميركا. ولهم علاقة باللوبيات اليهودية والإسرائيلية.

كنا نعرف آنذاك أن الأب يوفد أجيالا من الطلبة. والضباط العسكريين والمدنيين، من الطائفة العلوية، للتدرب في الكليات العسكرية الروسية، والمدنية الأميركية. بشار أوفد منهم الكثيرين، حتى بعد نشوب الثورة السورية.

بل كنا نعرف أن ضباطا وقادة من الروس أداروا مصانع الأسلحة الكيماوية السورية. ودربوا السوريين العاملين فيها. لم يعد ذلك سرا. وثائق الـ«ويكيليكس» تذيع الآن أسماء جنرالات روس، بينهم الجنرال أناتولي كونتسيفتش الذي ظل مستشارا للصناعة الكيماوية السورية بعد تقاعده من الخدمة العسكرية.

القانون الدولي قانون الغاب. صفقة جنيف تسمح بإبادة السوريين بأسلحة القتل والدمار الجماعي. لكن ممنوع قتلهم بالقنابل الكيماوية. السوريون الآن كالأيتام على مائدة اللئام.

> > >

التعليــقــــات
عبدالله ابو محمد، «المملكة العربية السعودية»، 17/09/2013
مقال رائع كعادة كاتبه
وافكار واستحضار للتاريخ اروع
شكرا لاناملك

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال