الثلاثـاء 02 ذو الحجـة 1434 هـ 8 اكتوبر 2013 العدد 12733 الصفحة الرئيسية
 
غسان الإمام
مقالات سابقة للكاتب    
استعلاء واستجداء بلا كبرياء
جبل واحد يتحكم بمصير نظام الأسد
تحييد قنابل بشار الكيماوية يستغرق 12 سنة!
العرب مسرح إيراني للحرب المذهبية
من عبد الناصر إلى عبد الفتاح
الحياة على سطح الصفيح الساخن
«الإخوان» بين شرعيتهم «الحاكمية» والشرعية الشعبية
مبارزة بالفصحى بين الحريري ونصر الله
حروب «حزب الله» تؤكد هويته العسكرية
توعية العرب بالمشروع الإيراني
إبحث في مقالات الكتاب
 
تقسيم سوريا بتغييب هويتها العربية

عبد الحليم خدام الذي أمسك فترة بالملف اللبناني، له قول مأثور: «ليس هناك شعب في لبنان. هناك طوائف». وزير الدفاع مصطفى طلاس الذي أتقن فَنّ البقاء على الهامش ثلاثين سنة، أفاق مرة من مشاغله «الوزارية» في تأليف الكتب عن علاقة المطبخ بالشعر ونجوم السينما، ليقول إن الأردن مرسوم بحدود استعمارية! وكأن حدود معظم الدول العربية، بما فيها سوريا، لم تُرسم بالمسطرة الاستعمارية.

ماذا يقول هذان المسؤولان الكبيران السابقان في دولة الرعب والخوف (أَسَدستان)، وهما يريان اليوم سوريا تتهاوى تحت مطارق التسلل والاختراق. وتتمزق طولا وعرضا بسكاكين النظام. وحراب الطوائف. وغزو مرتزقة «حزب الله» وإيران؟

هل هناك حدود سورية ثابتة. مرسومة بريشة التاريخ الحضاري، كما مصر المحروسة، فتمتنع على معاول التمزيق والتقسيم؟ أم هناك جيوش. وميليشيات. وتنظيمات، لطوائف. ومذاهب. وأديان. وأعراق. ومعارضات سياسية. وعسكرية. متناحرة، في الداخل والخارج؟

من المسؤول عما جرى ويجري في سوريا؟ كان بشار يشكو، في أحاديثه مع مسؤولين عرب وأجانب، من «الكثافة» السكانية الكبيرة في سوريا. فقد ارتفع عدد السوريين، في عصر الأب والابن، من سبعة ملايين إلى 23 مليون إنسان.

لو أن النظام ربط إنتاج الأطفال بإنتاج السلع، لما زاد عدد السوريين عن 12 مليونا. أخيرا، وجد بشار حلا مخيفا، من منطلق طائفي بحت. فقد اتهم الشعب كله «بالتآمر» عليه وعلى نظامه! وطبق مبدأ «الإبادة الجماعية». وفيما كان وزيره وليد المعلم يلقي خطابه «الإنساني» أمام الحضرة العمومية للأمم المتحدة، كان الطيران يقصف. ويقتل. ويسحق طلاب مدرستين ثانويتين، في الرقة ودير الزور، غير خائف من «إنسانية» خامنئي وروحاني.

لو أن للنظام كبرياء الدولة المترفعة عن قتل الإنسان الجريح، وقصف مستشفيات المرضى، لما فر 15 ألف طبيب سوري من سوريا، تحت وطأة ملاحقة وإعدام الأطباء والممرضين، بحجة إسعاف «الثوار»، فيما يجثم على رأس الدولة والحكومة طبيبان، لم يُقدَّما، بعد، إلى محاكم جرائم الحرب وإبادة الإنسانية.

لو أن بشار الأسد يملك عاطفة الأب، لما رضي أن يجلس أمام شاشات و«كاميرات» أميركا وأوروبا، ليتحدث عن رغبته في اغتصاب الرئاسة مرة ثالثة، فيما أطفال وأمهات ماتوا جوعا، على مقربة منه، في قرية «المعضَّمية» التي تحاصرها قوات النظام منذ سنة، بعدما مات مئات من أهلها خنقا بالغاز السام، «محرومين» من التصويت لبشار في العام المقبل.

تدخل سوريا، في هذه الأيام، مرحلة جديدة من الحرب بين النظام والشعب، يكثر فيها الحديث في الداخل والخارج، عن تقسيم سوريا. وتُرسم خرائط وحدود جديدة لها. ولدويلاتها، مع دول الجوار التي تتناولها أيضا أحاديث الشؤم هذه. وكلها تنطلق ليس من باب الغيرة والتعاطف مع العرب، وإنما من باب الإمعان بالشماتة بهم. والترويج لتمزيقهم، بحيث يغدو الحديث عن التقسيم، وعن خريطة جديدة للمشرق العربي، موضوعا عاديا. وكأنه قَدَرٌ مرسوم ومحتم، لا مفر منه.

تحدث كتّاب ومعلقون عرب وأجانب، عن علاقة النظام السوري بمشروع التقسيم، بحيث لم يعد هناك لزوم للتكرار. وأحاول هنا أن أختصرها بجمل سريعة. فقد تكفلت سياسته الطائفية، بنشوء غُربة في البيئة الاجتماعية والشعبية، عن الدولة ونظامها.

هذه الغربة هيأت النظام لاستخدام السلاح، فورا، ضد المجتمع المدني الذي أجبر تحت الضغط، للتحول من انتفاضة سلمية، إلى ثورة مسلحة. تصرف النظام عبر سياسة متناقضة في ازدواجيتها: فهو قومي. عربي في خطابه السياسي والإعلامي. وهو مذهبي. طائفي، تبثُّ أجهزته السرية الحقد والكراهية بين الطوائف والأعراق. ثم هو تقسيمي واضح في تحركه العسكري والميداني. وخطه الشاقولي الذي يمضي في رسمه، لفصل شرق سوريا عن غربها.

هل كنت مثاليا. «حالما» عندما حاولتُ نفي إمكانية نشوب حرب طائفية في سوريا، بعد تحول الانتفاضة إلى ثورة؟ أعتقد أني ما زلت واقعيا، عندما أقول إن هذه الحرب بقيت محصورة في مناطق التواصل الاجتماعي بين الطوائف (محافظات حمص. حماه. إدلب. اللاذقية. قرى سهل الغاب). هذا التواصل الذي كان مثاليا في سلميته، تمكنت حرب النظام على المجتمع، من تحويله إلى احتكاك ملتهب ودموي. وإلى كراهية وحقد، بقصف غالبية المناطق «المحررة» المنسجمة اجتماعيا ودينيا.

تلك مسؤولية النظام عن الترويج للتقسيم. لكن خطر التقسيم يفرض الآن الحديث، بصراحة متناهية، عن مسؤولية المعارضة السياسية والمسلحة، لتوعيتها بخطئها، ولتبصير الأمة العربية بهذا الخطأ. لا سيما الدول العربية المتعاطفة والداعمة السوريين.

لست ألوم هذه الدول على التدخل لصالح الثورة. بل أكاد أقول إنه واجبها القومي، بحكم عاطفتها ومصلحتها العربية المشتركة مع السوريين. إنما أتمنى عليها أن تتفهم واقع المزاجية الاجتماعية السورية المتقبلة، على الرغم من محافظتها التقليدية، للتسامح الديني مع أقليات. وأديان. ومذاهب غير مسلمة. وغير سنّية. وبعضها سابق، في وجوده التاريخي، للإسلام. كالطوائف المسيحية في سوريا والعراق.

عدم تفهم العرب والمسلمين، لهذه المزاجية السورية المتسامحة التي كفلت تعايشا اجتماعيا رائعا على مدى مئات السنين، هو الذي أدى إلى تقديم دعم مادي وسلاحي، إلى تنظيمات معارضة محلية أو مستوردة، هي بدورها لم تعد تؤمن بهذا التواصل الاجتماعي، بحكم تزمتها الديني المتطرف، أو بحكم كونها غريبة قادمة من مجتمعات شبه خالية من أقليات دينية. ومذهبية. وعرقية.

لتطويق هذه التناقضات، أستطيع أن أَدَّعي أني كنت سبّاقا إلى تذكير تنظيمات المعارضة السورية السياسية والمسلحة، بضرورة العودة إلى التمسك بالهوية العربية الأوسع والأرحب في سوريا: عروبة متسامحة مطلَّة على بحر متوسطي منفتح على تعايش حضاري. عروبة منحت سوريا منذ النهضة العربية دورا قوميا كبيرا. إنها عروبة الثقافة. واللغة. والعاطفة. والمصلحة المشتركة التي بددها النظام. وتبددها معارضات سياسية ومسلحة غير واعية.

أشعر بالأسى والحزن، لأن الثورة طوت علم الوحدة القومية بين مصر وسوريا ذا النجمتين. ورفعت علم استقلالٍ سوري كان قاصرا على تحقيق الوحدة العربية. وسمح بنجومه الثلاث، لمعارضات طائفية وعرقية، برفع أعلام. وصور. ورموز، لهويات أضيق من العروبة. بل وصل الأمر إلى اقتحام مساجد وكنائس. وتحطيم رموزها الدينية. فزاد في الانشقاق. والأحقاد. والصراعات.

لو كانت المعارضات الداخلية والخارجية تملك الوعي بعروبة سوريا، لجاهرت بها أمام العالم. وصلت العزلة بهذه المعارضات إلى مستوى يكاد يصرف الاهتمام الأوروبي/ الأميركي بها، لولا القيادات الخليجية التي تحاول إقناع الغرب، بإمكانية استعادة سوريا دولة عربية ديمقراطية تعمل من أجل استقرار المشرق. فلا تهزه دولتان مارقتان كإيران وإسرائيل. ولا يتمكن نظام سوري مارق من مواصلة مغالطاته الإعلامية. وممارساته القمعية والإرهابية، في الداخل. وفي المنطقة.

لو كانت المعارضات السورية المسلحة واعية أيضا لهويتها القومية، لما سمحت منذ البداية، لتسلل مقاومات غريبة متزمتة، تخلت عن مقاتلة النظام، لتتفرغ لإقامة دويلات دينية ما تلبث أن تقع أسيرة هيمنة إيران وإسرائيل.

ها هو لبنان المسيحي يعود إلى الرهان على عروبة خليجية عفيفة غير طامعة بتهجيره. أو أسلمته وتشييعه. عروبة نجحت في التعاون معه، لتجنيبه حربا أهلية جديدة.

هل تسير سوريا حتما نحو التقسيم؟ قبل الجواب، سأروي في الثلاثاء المقبل، لأجيال سورية جديدة أراها تنفض عن تفكيرها وأيديها الإيمان بعروبتها، كيف ناضل آباؤها، تحت مظلة العروبة، لحماية سوريا، بدمائهم وأرواحهم، من التقسيم. نضال رائع استمر نصف قرن، ليمحوه من الذاكرة الشعبية والتاريخ السياسي، نظام طائفي غرق في عبادة الشخصية، وما زال مستمرا أيضا، منذ نصف قرن.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال