السبـت 12 ربيـع الاول 1423 هـ 25 مايو 2002 العدد 8579 الصفحة الرئيسية
 
سليمان النقيدان *
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
الثابت والمتلون في بيان المثقفين السعوديين
على اثر صدور البيان الشهير من معهد او مركز القيم الامريكي تحت شعار (على أي أساس نقاتل) او ما جدوى قتالنا؟ والذي تزامن مع حرب امريكا على الارهاب، بادر جمع من الاخوة المثقفين السعوديين او كما نعتوا انفسهم او عرفوا بأشخاصهم انهم يمثلون العلماء والمفكرين والوعاظ والدعاة محتسبين الرد على ذلك البيان الامريكي متخذين لبيانهم عنوانا غاية في التهذيب والتمدن (على أي أساس نتعايش) معتقدين انهم وضعوا البيان الامريكي في مأزق اخلاقي وحضاري حينما التفوا على ذلك الشعار وقلبوا مفهوم دلالة معانيه وحولوه من قتال الى تعايش وهو دليل فاضح بعدم الفهم والاستيعاب لمدلول قيمهم العملية والواقعية، وخلط عجيب لقيم الغرب عامة وتاريخ الشعب الامريكي الجديد خاصة، احسب انه خط على عجل حتى لا يُخطف منهم سبق المبادرة وتطير معه مكاسب اعلامية ومآرب أخرى، مبدين ملاحظة مهمة واعتقد انها النقطة الاذكى والاكثر مراوغة في البيان حينما أكدوا انه ليس للاستهلاك المحلي وانه للتصدير الخارجي فقط، متجنبين ما سيحدثه من ضجة وصدمة واستنكار داخلي من اتباعهم وعوامهم.

حال اطلاعي عليه تبادرت الى ذهني تلك السياسة الاقتصادية الموجهة التي تتبعها الدول الفقيرة وهي ان تعمد الى تخصيص منتج معين ويكون عالي الجودة على ان يخصص للتصدير الخارجي بهدف توفير العملة الصعبة للبلاد او خلق انطباع جيد في الاسواق العالمية عن البلد والمنْتَج، تمثلت هذه السياسة الاقتصادية وانا اقرأ بيان اخوان الصفا وهم يحددون هدفه ووجهته، لا اخفيكم ان البيان أثار اهتمامي الشخصي والنقدي معا ولكن من زاوية مختلفة تكاد تكون منصبة على الحضور البارز والمكثف لمجموعة مختلفة كانت يوما من الايام ترفض مثل هذا الطرح، بل وتحرمه، فالبيان تعلوه علامة استفهام كبيرة جدا وتكاد تأخذنا بعيدا عن مضمونه ومحاوره المغرية، وانا في هذه العجالة لست في مهمة نقدية بقدر ما ابثكم حزني ودهشتي وصدمتي من هذا الرقص والتنطيط بين الفرق الغالية والمفرطة كما كانوا يصنفون الناس بالامس القريب... إذاً تناولي للبيان لن يتجاوز طرح الاسئلة واستنكار هذا السلوك المريب.. اول هذه الاسئلة كما لاحظتم ان معظم او غالبية من صاغوا البيان هم اهل الانغلاق وهم يؤلفون نمطا واحدا داخل مجتمعنا بانغلاقهم على الذات واقصاء الآخر بكل صلافة.. والحالة هذه أليس من حقنا ان نسأل ماذا يفعل هؤلاء هنا؟ هل اخطأوا الطريق ام غرر بهم؟ لا هذا ولا ذاك فالامر بكل صراحة لا يحتاج الى حدس عبقري لاستيعاب هدف تواجدهم ضمن هذا البيان (الفضيحة) وليس من العسير ان ندرك ان هدفهم هو الاطاحة بمنهجهم القديم وان على نحو اشد اضمار وابهار فنحن كفيلون بإظهار المسكوت عنه ونشره ليطلع عليه الاتباع ويعرفوا من هم، ثانيا أليس من الفطنة والكياسة ان يكون هناك بيان مصارحة للاتباع يسبق هذا البيان ويمهد لاتفاقكم وانقلابكم على مبادئكم وثوابتكم او لنقل مجمل خطابكم (الصحووي) أما كان الاجدر والاحفظ لماء الوجه هو احترام مشاعر أفواج صدقتكم وآمنت بصدق رسالتكم، وتفانى بل ومات البعض من أجلها، أليست مشاعر هؤلاء مقدمة على مشاعر الامريكي الذي لن ينصت لكم.

من يقرأ بيانكم ايها الاخوة لا يلتمس لكم عذرا أبدا.. اذا كان هذا هو هدفكم، كان بإمكانكم التمسك والتشبث بلغة خطابكم ومقولاتكم المستهلكة والمخدرة والمورطة على ان يكون التخلي بطيئا فتأتي التحولات مرحلية وحتى لا يشعر بكم احد فتتسللون الى المكان الآخر لتمارسوا بقية لعبتكم الرخيصة، ماذا يعني هذا التحول السريع والمذهل (مائة وثمانون درجة) في الموقف انه قرار غبي وانتحار حركي واحتراق اجتماعي وسياسي غير مسبوق، ألم تكونوا بالامس القريب تفكرون داخل مرجعية ثقافية عنيفة اطاح اتباعها بالشواهد الحضارية الامريكية وكنتم مغتبطين بهذا الفتح العظيم وهذا الانجاز اللامسؤول لاشبالكم تهددون وتتوعدون الحضارة الامريكية الطاغوتية بالمزيد.. وبحركة سريعة اصبحت تلك الثقافة في بيانكم ثقافة انسانية وقيم الشعب الامريكي قيما مشتركة.. انه بهتان عظيم وتلون في المواقف لم يسبق له مثيل في تاريخنا وتاريخ فرقنا الغالية.

حسنا تريدون منا ان ننسى ونسدل الستار على عقولنا ونسد منافذ فكرنا ونقمع الاسئلة المحرجة ونموه المواقف من أجلكم ونشارككم الجريمة لندعكم تنسلون من فعلكم وتتخلون عن مسؤولية تغريركم بفلذات أكبادنا وهم اليوم بين سجين مهان وطريد لا يعرف له عنوان بين أحراش الشيشان ومرتفعات افغانستان.. انتم واهمون ولن ندعكم تخدعوننا مرة ثانية ولن نخفي شماتتنا فيكم، ومع ذلك لم نتمن ان تكون خاتمة جهادكم المزعومة بهذه الصورة المخزية والتي قد تنال من مصداقية كل من شارككم هذا البيان.. اعتقد انكم في مأزق ولن يجدي نفعا الهروب من الاسئلة المربكة والتي سيطرحها الاتباع لاحقا، هبت نسائم الانفتاح عليكم مرة واحدة مع اننا كنا لا نطمع بأكثر من ان نعيش بهدوء بعيدا عن ضوضائكم وتحريضكم على حركة التطور والتحديث في بلادنا فالمثقف من ابناء جلدتكم يهيم على وجهه بحثا عن ملاذ او مكان لنشر ابداعه وانتاجه وفنه بعيدا عن تأويلكم وتقويلكم وتكفيركم.. لم نكن نطمع بأكثر من هذا يا اهل التسامح والحوار، ألم ترفضوا الحوار مع ابناء وطنكم وهم اخوانكم في الدين اولا ويبادلونكم صميم الثقافة والارث التاريخي ثانيا.. بسببكم انتم.. أنتم فقط كان الحوار غائبا ولا يسمع الرأي إلا همسا وفي الاماكن المغلقة، يا اصحاب التعايش السلمي أين هذا السلم وهذا التعايش وانتم تبثون بين اتباعكم وتؤكدون لهم ان الاصل في العلاقة مع الكافر هو الذبح من الوريد الى الوريد واضعف الايمان في حالة الاستفراد هو التضييق عليه في الطرقات والمعاش وعدم مبادرته بالتحية او المشاركة في الافراح والاتراح، هكذا عهدناكم فلماذا نقضتم وبدلتم ولم تبقوا على العهد.. والحق ان لا احد يستسيغ هذا الموقف منكم، انها سقطة وهوة يتعذر ردمها وموقف يصعب تجاوزه او تبريره.

لن اصمت ولن اتوقف عن طرح الاسئلة فكم سنة احتكرتم الحقيقة وكم اضللتمونا وخدعتمونا.. ان نسامحكم ونغض الطرف عن تاريخكم ليس بهذه البساطة، فتفكيك نصوص خطابكم لابطال مفعوله وفضح محتواه وقراءته من جديد على اتباعكم ليتخلوا عنه سيحتاج عقودا ان لم يكن اجيالا من عمر شعبنا، فهو ارث لا قيمة له وساقط من مسيرة وطننا، ولكن قولوا لنا ماذا نفعل بكل هذا بعد ان نسامحكم، ابنية فكرية تكونت وانماط وانساق وقوالب تشكلت وخطابات ونصوص حجبت الحقيقة وحورت المعنى وعقلنت اللامعقول وبثت ثقافة الهامش بلا حدود، هذا من زاوية ومن زاوية أخرى حاول هذا البيان ان يصور للعالم ان ازمتنا بدأت مع غزوة منهاتن وواشنطن وهذا ليس صحيحا على الاطلاق فهذه الازمة او الكارثة هي نتيجة وليست السبب فالسبب هو هذا الإرث الذي خلفه لنا هؤلاء الشجعان اصحاب بيان التعايش السلمي والحوار المنفتح.

اعرف ان هناك مثقفين وكتابا استقبلوا هذا البيان على نحو ايجابي فمنهم من وجد فيه دورا جديدا للمثقف ومنهم من وجد فيه واقعا فكريا جديدا ومنهم من اعتبره فتحا واسعا امام الهوية الوطنية ليسمع رأيها، قد يكون كل هذا صحيحا فنفهم ان مشاركتهم في توقيع البيان من هذا المنطلق او من منطلق عفى الله عما سلف، اما انا وكثير معي لسنا هؤلاء ولن اخفيكم انني وجدت فيه بغيتي وهي فضح من اندس بينهم او تمترس خلفهم او استمطر بهم فالناس لن يعجزهم فرزهم من بين الشرفاء الصادقين والمجاملين الذين يمنعهم حياؤهم الصمود امام إلحاح هؤلاء المتكسبين والمتلونين.

كان عليهم ان يعترفوا مهما ادعوا الورع والزهد والفضيلة فالناس جميعا اساسا تسيرهم الحاجات الحياتية من مطامع شخصية وطموحات دنيوية فلماذا التمويه والخداع والتمسح بالدين على حساب أنبل ما نملك.

* كاتب من السعودية s-alnugaidan@aawsat.com

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال