الجمعـة 30 شعبـان 1425 هـ 15 اكتوبر 2004 العدد 9453 الصفحة الرئيسية
 
هاشم صالح
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
جاك دريدا.. نجم كبير انطفأ في سماء باريس

لم يفاجئني موت جاك دريدا بقدر ما فاجأتني المقابلة المطولة التي أدلى بها لصحيفة «اللوموند» بتاريخ 19 أغسطس الماضي، وهي آخر مقابلة أدلى بها على ما أعتقد. فقد كانت دهشتي كبيرة عندما عرفت بأنه مريض بشكل خطير، ويخضع لعلاج مرهق ومرعب، وعلى الرغم من انه لم يذكر كلمة «السرطان» إلا ان القارئ يستنتج ذلك بنفسه من النص. ولكن ما كنت أتوقع ان يموت بمثل هذه السرعة. فهناك مرضى بالسرطان يعيشون شهوراً عديدة وأحياناً سنوات..

مهما يكن من أمر، فإن الانسان يشعر بأن الكون يحزن أو يعتم قليلاً عندما يموت مفكر أو شاعر كبير. يشعر بأن نجمة ما قد انطفأت. ولكن لا يمكن القول إن دريدا مات قبل الأوان كثيراً كما حصل لميشيل فوكو الذي لم يتجاوز السابعة والخمسين، هذا في حين ان دريدا تجاوز الرابعة والسبعين. وبالتالي فقد أتيح له الوقت الكافي لكي يعطي كل ما عنده. وقد كان كثير الانتاج والنشر في السنوات الماضية بحيث لم يمر عام بدون ان يظهر له كتابان أو ثلاثة!

لم يتح لي ان التقي بجاك دريدا الا بشكل عابر، ما عدا مرة واحدة عندما كنت أجري مقابلات مع المفكرين الفرنسيين وعندئذ اتصلت به، وكان ذلك قبل عشرين سنة، أو أقل قليلاً، اذا لم تخني الذاكرة. وقد وافق بكل أريحية وطيبة نفس على استقبالي في مكتبه بالجامعة، على الرغم من أني لم أكن قد اصبحت مؤهلاً بالفعل لمساءلته أو التناقش معه. وكنت أجد صعوبة في فهمه وما أزال.

وقد ابتدأت المقابلة بشكل جيد وبروح منفتحة وايجابية وراح يشرح لي نظرياته الفكرية ومصطلحاته، وبخاصة مصطلح التفكيك الذي اشتهر به.

ولكن عندما اكتشف أني مبهور بميشيل فوكو واني في الواقع أقابله لكي اسأله عن فكره لا عنه هو بالذات، انزعج جداً واختصر المقابلة التي انتهت بشكل سلبي تقريباً. وأخيرا، أي قبل أسابيع قليلة، كنت ابحث عبر الإنترنت وأتجول على غير هدى فقلت بيني وبين نفسي: لماذا لا أزور موقع جاك دريدا. وفوجئت بأن مقابلتي موجودة عليه من جملة المقابلات الأخرى التي أجريت معه داخل فرنسا وخارجها. وأعترف صراحة بأني ما كنت اعتقد انها صالحة للنشر، لأني في ذلك الوقت كنت ما أزال مبتدئاً في التعرف على تيارات الفكر الفرنسي المعاصر.

بعدئذ عرفت لماذا انقبض دريدا عندما رحت أطرح عليه وابلاً من الاسئلة عن فكر ميشيل فوكو لا عن فكره هو.. فالواقع انهما كانا متخاصمين طيلة الفترة الأخيرة من حياتهما بسبب المقالة النقدية الشهيرة التي كتبها دريدا عن كتاب «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» لميشيل فوكو. وهو كتاب عبقري شكلاً ومضموناً على الرغم من كل الانتقادات التي يمكن ان توجه اليه. وقد رد عليه فوكو بعنف وصرامة في مقالة رائعة ايضاً. وكانت النتيجة ان انقطعت العلاقة بينهما. وهذه أشياء كثيراً ما تحصل بين المثقفين حتى لو كانوا كباراً ومهمين. فالساحة الثقافية الفرنسية، كما العربية، مليئة بالحزازات والحساسيات الشخصية وتصفية الحسابات... الخ. ولكن ينبغي الاعتراف لدريدا بنقطة واحدة: هي ان حقده على فوكو لم يستمر بعد موته. فقد ذكره بالخير اكثر من مرة، بل وكتب عنه نصاً طويلاً ومهماً، حيث عاد الى مناقشتهما السابقة عن فكرة الجنون والعقل، وهي المناقشة التي أدت الى الخصومة الشخصية كما قلنا.

ولكن خلاف دريدا ـ فوكو اصبح يبدو ثانوياً بعد ان ظهر جيل جديد من الفلاسفة، جيل تلامذتهما ووضعهما كليهما في سلة واحدة، وهاجمهما بصفتهما من أعداء الحضارة الغربية والنزعة الانسانية الاوروبية والتنوير. أقول ذلك وأنا أفكر بكتاب لوك فيري وآلان رينو عن فكر ثورة 68. فقد اتهما فوكو بأنه ممثل نيتشه في الساحة الفرنسية ولكن مع شيء من الابتكار والابداع. اما دريدا فهو مجرد مقلد لهيدغر ومزاود عليه من دون أي عبقرية شخصية! هذا الهجوم هو الذي جرح دريدا أكثر من غيره، وأعتقد انه مات وهو يشعر بآثاره بدليل انه عاد اليه في آخر مقابلة أدلى بها للصحافة في 19 أغسطس الماضي كما ذكرت. ما هو جوهر المناقشة التي جرت بين جيل فوكو، دريدا، ديلوز، ليوتار.. وجيل لوك فيري وتدوروف وآلان رينو وجماعتهم؟ ينبغي العلم بأن الجيل الأول ظهر بعد المرحلة الاستعمارية مباشرة، وبعد ان انكشفت جرائمها في الجزائر أو الهند الصينية أو افريقيا السوداء، الخ. ولذلك كان موقفه سلبياً من الحضارة الغربية وشديد النقد لها. ولذلك انخرط فوكو في تعرية مؤسسات هذه الحضارة بشكل اركيولوجي عميق: كمؤسسة المصح العقلي، أو السجن، أو حتى المدرسة والجامعة وعموم المؤسسات البورجوازية التي تهدف الى تدجين الناس وتطويعهم فكرياً وجسدياً. وعندئذ طرح مصطلح الاركيولوجيا وطبقه على العلوم الانسانية لكي يكشف عن الجذور العميقة للقمع الاوروبي. فالعلوم الانسانية هي التي خلعت المشروعية على النظام الحديث مثلما ان الفكر الديني المسيحي كان يخلع المشروعية على النظام القديم.

وفي ذات الوقت تقريباً راح دريدا يطرح مصطلح التفكيك ويطبقه على الفلسفة الغربية من افلاطون الى هيغل لكي يكشف ايضاً عن الطابع الانغلاقي، وبالتالي القسري للعقلانية الغربية. وفي ذلك الوقت، أي في الستينات عندما ابتدأت الشعوب تتحرر من الاستعمار وتنكشف نواقص الحضارة الغربية ومثالبها كان التيار العام يسير لصالح هذه البحوث النقدية الراديكالية. وكان الغرب يشعر بالذنب وتأنيب الضمير لما فعله في العالم الثالث. ولذلك راجت نظريات فوكو ودريدا وديلوز ولاقت ترحيباً في الأوساط الثقافية الفرنسية والأوروبية بل وحتى الأميركية.

راح دريدا يجري بعض التعديلات على فكره ويتخذ بعض الاحتياطات لكي يواجه هذا الهجوم المباغث والصاعق. وراح يقول انه لم يهاجم العقل ابداً كما يزعم خصومه ولم يستخف بحقوق الانسان أو بمنجزات الحضارة الغربية الاخرى كالحكم الديمقراطي التعددي ودولة الحق والقانون والتعددية الفكرية والسياسية وحرية الصحافة، الخ.. والدليل على ذلك هو انه دافع عن المثقفين المنشقين في البلدان الشيوعية وانهم سجنوه في براغ عام 1982 لبضعة أيام بسبب دفاعه عن حرية التعبير وحقوق الانسان في الدول التوتاليتارية فكيف يمكن اذن ان يكون معادياً لحقوق الانسان أو لمنجزات الحضارة الحديثة؟ وكيف يمكن ان يضع النظام الديمقراطي والنظام الشيوعي الذي يخنق الحريات على قدم المساواة؟

وعندئذ تنبأ بظهور الحركات المضادة للعولمة التي تملأ الساحة حاليا والتي ما كان أحد يتحدث عنها عندما أصدر كتابه عام 1993. وبالتالي فقد أرهص بالشيء قبل حصوله، وهذه هي ميزة المفكرين الكبار: أي الذين يرون أبعد من أنفهم. وفي آخر تصريحاته التي تشبه الوصية يقول دريدا: ما كنت أدعوه بالنزعة الكوسموبوليتية أو بالأممية الجديدة يفرض علينا تطوير القانون الدولي والمؤسسات التي تتحكم بنظام العالم: أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومجموعة الدول الثماني الصناعية الكبار، ثم بخاصة الأمم المتحدة. فقد آن الأوان لتغيير ميثاق هذه المنظمة الدولية العريقة وتغيير تركيبتها، وأولاً تغيير مكانها! ينبغي إخراجها من أميركا وإبعادها عن نيويورك فوراً.

وبالتالي فإذا كان دريدا قد اعترف بالتنوير الليبرالي وأهميته فإنه لم يتراجع ابداً عن إدانته للنظام الرأسمالي العالمي الذي يحرم نصف البشرية على الأقل من ثمار الحضارة والحقوق الانسانية، بل وحتى الحد الأدنى من الكرامة البشرية. وبالتالي فأين هي هذه النزعة الانسانية التي تتباكى عليها يا لوك فيري ويا سادة الغرب اذا كان الجوع يقتل مئات الملايين سنوياً واذا كان الباقون يعيشون على دولار واحد أو أقل في اليوم؟ ما نفع التنوير اذا كان محصوراً بالبشرية الأوروبية أو الأميركية الشمالية؟ وما نفع الحضارة اذا كان ثلاثة أرباع البشرية محرومة من ثمارها؟ بهذا المعنى فإن الفيلسوف الراحل لم يتخل عن نقد العرقية المركزية الأوروبية أو الغربية بشكل عام، ولكنه أضاف شيئاً جديداً الى ما سبق:

وهو الاعتراف ليس فقط بسلبيات أوروبا أو حتى بجرائمها وانما ايضاً بإيجابياتها وحضارتها التي لا تقدر بثمن، بل انه في آخر تصريحاته، أو وصاياه راح يعتبر اوروبا بمثابة البديل الذي سينقذ البشرية من خطرين اثنين: خطر الهيمنة الاميركية المطلقة على العالم، وخطر ظلامية الفكر الديني التي تكتسح العالم العربي ـ الاسلامي والتي لا نور فيها. بالطبع فإن الرجل يعترف بوجود تيارات اخرى داخل اميركا غير تيار المحافظين الجدد. وبالتالي فأميركا لا يخشى عليها من هذه الناحية، لأن التيار الليبرالي التقدمي ذا النزعة التحررية والانسانية سوف يستيقظ عاجلاً أو اجلاً بعد ان تستوعب صدمة (11) سبتمبر، ويعترف بوجود تيار تحرري أو انساني في العالم العربي، ولكن الخطر هنا أشد بسبب الهيمنة السوسيولوجية، أي العددية للاصوليين على الشارع العربي والاسلامي بشكل عام. فالعالم الاسلامي لم يشهد بعد، مرحلة التنوير الفكري على عكس اوروبا واميركا الشمالية. وبالتالي فمشكلته عويصة بالفعل ولن تحل بسهولة. ولكن قوى التقدم موجودة هنا ايضاً ولا ينبغي الاستهانة بها.

ثم يصل الفيلسوف الراحل الى قصة اسرائيل ويقول بالحرف الواحد: على الرغم من كل المشاكل التي تؤرقني في هذه اللحظة، وبخاصة السياسة الكارثية والانتحارية لاسرائيل، وعلى الرغم من كل المشاكل الاخرى العالقة مع «يهوديتي» فإني لن اتنكر لها ابداً (اي يهوديته): فأنا ولدت في الجزائر في عائلة يهودية، وهذه هي جذوري. ولكن اسرائيل في نظري لا تمثل اليهودية ولا الدياسبورا ولا حتى الصهيونية العالمية التي كانت تعددية ومتناقضة..

ثم يدعو دريدا الى تدخل الأمم المتحدة فوراً في فلسطين للفصل بينها وبين اسرائيل ولمنع شارون من تنفيذ مخططه الانتحاري ويقول بما معناه: لو كانت هناك حكومة عالمية عادلة، أي أمم متحدة حقيقية، لما سمحت بحصول كل هذه الفظائع في فلسطين.

ولهذا السبب فإنه يدعو إلى تشكيل الوحدة الأوروبية بكل قواه. ويدعو إلى تزويدها بجيش قوي مستقل عن حلف الاطلسي وأميركا، لكي تتدخل في المناطق الساخنة من العالم من اجل الحق والعدل لا من أجل الهيمنة والظلم ودعم الباطل. وفي ذات الوقت يدعو إلى تشكيل أمم متحدة اخرى كما قلنا لكي تكون بمثابة الحكومة العالمية ولكي تنفذ اوروبا قراراتها. ويؤيده في ذلك الفيلسوف الألماني يورغين هابرمان. والواقع انهما يتابعان نفس مشروع فيلسوف التنوير الأكبر في الغرب: ايمانويل كانط. فقد كان أول من فكر بتحقيق السلام الأبدي بين الأمم عن طريق تشكيل حكومة كوسموبوليتية للعالم. وهكذا استبق الأمم المتحدة ومجلس الأمن بمائتي سنة على الأقل! فالرئيس ويلسون الذي دعا الى تشكيل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى كان من تلامذته والمعجبين به. وعن عصبة الأمم نشأت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية واتخذت لها مقراً في نيويورك.

هكذا نلاحظ ان المشروع كان طوباوياً، بل وجنونياً في عهد كانط، ولكنه تحول الى حقيقة واقعة بعد مائتي سنة من موته. فما الذي يمنع من أن تتحقق أحلام دريدا وهابرمان وكل الحركات المناهضة للعولمة الليبرالية الجديدة يوماً ما؟ ما الذي يمنع من ان نتوصل يوماً الى عالم اكثر عدلاً، عالم يحكمه قانون دولي واحد ينطبق على الجميع؟ ينبغي ان نوسع عقولنا قليلاً لأن العالم تحول الى قرية واحدة في عصر الإنترنت وبقية وسائل المعلوماتية والاتصالات الحديثة. واذا ما أهين شخص واحد في أي منطقة من مناطق العالم فكأنما أُهينت البشرية كلها من خلاله.

> > >

التعليــقــــات
أيمن الدالاتي، «الوطن العربي»، 15/10/2004
كيف لنجم كبير يفكر في أطروحات العالم ويستشف مستقبله, فينظر في الحضارة الأوروبية فيعري سلبياتها, ويبني على بذور إيجابياتها, ويتنبأ بمناهضة العولمة , وضرورة تخليص الأمم المتحدة من قبضة أمريكا, ثم بالكاد يتحدث عن شرور الصهيونية؟ ولا سيما وأنه يهودي ولا يشعر بحرج منها, ولا من صهيونيتها؟ وبالكاد يحصر شر الصهيونية بفعل السوء مع الفلسطينيين؟ .. أم أن الكاتب هاشم أصلح من أمر دريدا, فضخم جهة وعتم جهة, بل استغل موت دريدا ليبحث في أمر فوكو؟.. فكل ما يقوله الغرب يبهر عقولنا مهما تثقفت وملكت من المعرفة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال