الاربعـاء 17 ذو الحجـة 1426 هـ 18 يناير 2006 العدد 9913 الصفحة الرئيسية
 
رشيد الخيون
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
محمود طه.. تعاقبت الأزمنة و«الحملات» واحدة

شهد صباح مثل هذا اليوم، الثامن عشر من يناير (كانون الثاني) 1985، إعدام الشيخ السوداني محمود محمد طه، وهو ابن السادسة والسبعين، بتهمة الردة عن الإسلام، ونقل جثمانه بالطائرة إلى مكان مجهول. لم يتردد مستشار جعفر نميري الشيخ حسن الترابي في الاعتراف لإحدى الفضائيات، وهو في موقع السلطة، بدوره في الاتهام والإعدام. لكن مَنْ يقرأ كتاب الترابي «السياسة والحكم»، ويستمع لأحاديثه وتصريحاته، بعد الانقلاب عليه وسجنه، يلاحظ تغير الشيخ وتراجعه، ولم يبق ذلك الإخواني المتشدد، المتعطش للسلطة وهلاك الخصماء. وهو يعلم، قبل غيره، أن إعدام خصمه كان إجراءً سياسياً أُلبس ثوب الدين، لا يتعدى ما كان بين الإخوان المسلمين برئاسته وما بين الإخوان الجمهوريين برئاسة القتيل. وبطبيعة الحال، لا يؤخذ بتغير الترابي وانفتاحه الجديد من دون دفع دية المسؤولية، مهما كان حجمها، ولا أراها تتعدى نطق مفردة «أعتذر»!

كان رفض الشيخ المقتول قوانين الشريعة، التي أُعلنت في سبتمبر 1983، رحمة بالشريعة والأتباع من التفريط، ومن المغامرة بالدين وتطبيق حدوده، كقانون نافذ على الناس، وسط تراكم من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ظل الشيخ، قبل إعدامه بعشرين عاماً، يعارض محاولات تطبيق قوانين «الإيمان» بالقتل، وقطع اليد، وسلب حرية الناس. وهو يرى أن الرق ليس أصلاً في الإسلام، وتغييب النساء عن الحياة ليس من الإسلام، والإسلام جاء متدرجاً في الأديان الكتابية، كي يتعاصر مع مدارك البشر (رسالة الإسلام الثانية). أفكار وآراء قابلة للجدل والحوار، لا تستدعي تهمة الردة وعقوبة الموت، والحرمان حتى من مراسم الجنازة. وهو بمعارضته القديمة لقيام دولة دينية، حكم الردة فيها مادة من مواد الدستور، ظل هدفاً للإخوان المسلمين، فاستصدروا ضده حكماً غيابياً بالإعدام (1968) عن طريق محكمة للأحوال الشخصية، لا شأن لها بمثل هذا الحكم، مع طلاق زوجته.

لم تجد المحكمة طريقاً لتنفيذ حكمها آنذاك، فانتظر المتربصون حتى سبتمبر (أيلول) السنة 1983، عندما أُعلن تطبيق قوانين الشريعة، مع إضافة «قانون الشروع بالزنى». ويعلم الشيخ كم يتجاوز مثل هذا القانون على حكم الشريعة، الذي جاء يحمي النساء والرجال من الأفاكين. شكلت لهذه المهمة محاكم عرفت بمحاكم «العدالة الناجزة»، أو «محاكم الطوارئ». يومها عارض الشيخ علانية، ومن موقعه في الحزب الجمهوري، تلك القوانين، واعتبرها مخالفة لروح الإسلام.

قال أمام هيئة المحكمة، وهي تلوح بحكم الموت ضده: «أنا أعلنت رأيي مراراً في قوانين سبتمبر 1983 من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام. أكثر من ذلك فإنها شوهت الشريعة، وشوهت الإسلام»، (تقرير منظمة حقوق الإنسان). وبما أن حكم الردة على الشيخ كان حكماً سياسياً لا دينياً، فقد أُلغي الحكم حال سقوط النظام، وقررت المحكمة الدستورية العليا بطلان محاكمته «واعتبار كل ما ترتب عليها لاغياً».

على غرار قوانين سبتمبر 1983 السودانية أعلن نظام شباط 1963 في العراق تطبيق الشريعة بالمعتقلين السياسيين، وحتى يبرروا إعدام الآلاف من البشر سعوا إلى استصدار فتاوى قتل من الفقهاء، الشيعة والسُنَّة. غير أن مطبقي الشريعة في الخصماء السياسيين أعدموا، في جولتهم الثانية 1968، الشيخ عبد العزيز البدري، وآية الله محمد باقر الصدر ونعتوه بالمجرم (المجوسي)، وآية الله قاسم شبر وقد بلغ «من الكبر عتيا»، وغيرهم الكثير. وباسم قوانين الشريعة قطعت رؤوس نساء، وثبت قانون «غسل العار» العشائري، وهو مخالف للشريعة.

هناك تاريخ للحملات الإيمانية، ومطاردة الآمنين باسم الدين، ففي قروننا الوسطى، حكم على الفقيه الحنبلي ابن عقيل (ت513هـ) بالموت لأنه طالع كتب المعتزلة، وترحم على بعض المتصوفة. اضطر، وهو في زعامة مذهبه، إلى إعلان توبته من مطالعة أو كتابة نص أو اعتقاد بفكر مخالف: «أنا تائب إلى الله سبحانه وتعالى من كتابته وقراءته، وإنه لا يحلُ لي كتابته ولا قراءته ولا اعتقاده»، (ابن قدامة، تحريم النظر في كتب الكلام). وقبلها قاد الخليفة عبد الله المأمون، رغم شفافية زمنه، حملة ضد مَنْ اعتقد خلافاً لعقيدة المعتزلة في خلق القرآن ونفي الصفات. كان أبرز المعذَبين الإمام أحمد بن حنبل (ت247هـ). ومن المقتولين كان أحمد بن نصر الخزاعي (231هـ) (تاريخ اليعقوبي).

وشهدت مثل هذه الحملات الإيمانية، وبقسوة مشددة، أوروبا القرون الوسطى، فبحجة الحفاظ على إيمان المجتمع، وتطبيق الشريعة أخذت الإعدامات مأخذها من الناس: بسبب قراءة كتاب، أو بتهمة إهانة الكتاب المقدس، أو بسبب التخلف عن مواعيد الكنيسة. فحسب ول ديورانت في «قصة الحضارة»، كان أبرز رجال الدين عنفاً القس توماس توركيمادا، قتل طبيبه الخاص حرقاً بتهمة تنجيس الصليب، وأصدر أمراً بتعذيب المتهمين، بانتزاع لحم أجسادهم بآلة الكلابة. وتقرر حرق المتهمين بالبروتستانية، ومحاكمة أي راهب لا يعظ ضدها.

قال مؤرخ كاثوليكي: «كان رجال محكمة التفتيش الذين لم يفتر البابا عن حضهم يشمون الهرطقة في حالات كثيرة. ما كان المراقب الهادئ الحذر ليكشف فيها أثراً لهرطقة... وحرض الحاسدون والمفترون على بذل الجهد في تسقيط الكلمات المريبة من شفاه رجال كانوا عمداً راسخة للكنيسة ضد المبتدعين، وعلى تلفيق تهم الهرطقة لهم... وبدأ عصر إرهاب فعلي ملأ روما كلها بالخوف».

أخذ البابوات يتدخلون في أدق تفاصيل حياة الناس الشخصية، فإضافة إلى التدخل في شؤون العبادة، من الذهاب إلى الكنيسة والامتناع عن محرماتها، حُرمت قراءة أي كتاب لم يحصل على إذن بالنشر من الكنيسة. ولثقل تشدد أحد الباباوات على الأتباع هرعوا بعد وفاته إلى تحطيم تمثاله، ورميه في نهر تيير، «وأحرقوا مباني محكمة التفتيش، وأطلقوا سجناءها، وأتلفوا وثائقها»(قصة الحضارة).

أكلت قوانين الحملات الإيمانية، لغايات سياسية مصحوبة بتعصب ديني أو مذهبي، الكثير من البشر، ومن علماء الدين وشيوخه أكثر من العوام، وما الشيخ محمود محمد طه، إلا واحدا من الألوف عبر التاريخ.

> > >

التعليــقــــات
عمر عبد الجبار، «المملكة العربية السعودية»، 18/01/2006
من أعظم آراء محمود محمد طه السياسية مقولته الشهيرة الشعب السوداني شعب عملاق يتقدمه أقزام وهي مقولة يعاد تأكيدها بشكل يومي.
حسن الفتلاوي، «اسبانيا»، 18/01/2006
كما أجرم المتشددون الدينيون في حق خصومهم في تخوم التاريخ، كذلك فعل غيرهم أضعاف ما فعلوا تحت مسميات عديدة ، فالعروبة والقومية والاشتراكية والحرية وحقوق الإنسان والعدالة وحقوق المرأة وكل العناوين والشعارات التي تغنى بها أعداء الدين ذهب ضحيتها ملايين البشر من كبار العلماء والفلاسفة والربانيين ومن كان قبلهم من أنبياء وأوصياء . أقول العلة ليست في الدين وأتباعه بل السياسة والملك العقيم الذي لو تنافس الولد مع أبيه عليه لقتل أحدهم الآخر إستئثارا به ، وقد جاء هذا على لسان هارون الرشيد لولده المأمون قاتل أخيه الأمين لنفس الغرض .
لمى عبدالعزيز، «المملكة العربية السعودية»، 18/01/2006
هناك دائماً خلط بين الإيمان والإلتزام بالنصوص الشرعية الموجودة في الكتاب والسنة النبوية وبين إلزام الناس بآراء استنتاجية واجتهادية من هذه النصوص، وخلط آخر أكثر حساسية وأكثر انتشاراً وهو أن المظلوم يحمل داخل تظلمه الصادق مساحات من الزيف والإنحرافات. قطع اليد والقتل مقابل قتل وجلد الزاني ورجمه فروض إلاهية من كفر بها كفر بنص قرآني، والعلماء الدينيون لا السياسيون متفقون على حكم من جحد بها، أما كيفية تطبيقها والتعامل مع مستحقيها ومحاكمة المتهمين بها فقد كانت ولا زالت ساحة للعب السياسيين والمتطرفين، وليس من المقبول ولا المعقول إلغاء حكم شرعي لأن هناك سياسي قابع فوق كرسيه يستخدم الدين مسماراً لتثبيت نفسه فوقه وتصفية أعداءه المتربصين.
محمد ابراهيم، «استراليا»، 18/01/2006
شكرا أستاذ رشيد علي المقال الرائع الذي يرد بعض الدين للمقتولين في زمن يتباهي فيه القتلة بفظائعهم، يذبحون ضحاياهم ثم يتوقفون دقيقة لأخذ الصور التذكارية وتوقيع البيانات الصحافية. كل هذا ولا أحد يملك الشجاعة ليحفل بالضحايا. والآن بعد ما يزيد علي العشرين عاما من مقتل محمود محمد طه لا أحد يعرف أين دفن الأستاذ سوى قتلته وهم أحياء ولا أحد يفكر في إكرام جثمانه أو إقامة مقبرة رمزية له. نأمل من تلامذته نشر تحقيقاتهم حول مقتله حتى لا تتحول ذكرى تغييبه الى بكائية سنوية.
اشرف على التهامى، «فرنسا ميتروبولتان»، 19/01/2006
محمود محمد طه رجل عالم وصاحب اجتهاد ولكنه أثار بأطروحاته قضايا مثيرة للجدل ونفى مسائل معلومة من الدين بالضرورة وتحدث عن رسالة ثانية كأنما هو نبي مرسل، وأما الإشارة للشيخ العالم د.الترابي فهي لا تخلو من غرض وهي خارج السياق والترابي مفكر كبير وآراؤه معلومة للجميع وكسبه ضخم يى خدمة الإسلام وحركته المعاصرة.
Raad Al nammi، «الاردن»، 13/01/2008
لابد ان نعترف اولا باننا مسلمين و عرب قد تخلفنا عن ركب الحضارة و التكنولوجيا و بعد ذلك نبحث عن اسباب ذلك هل الاسلام كدين سبب تخلفنا ام اننا كمسلمين لم نفهم الاسلام، و الاسلام وبكل بساطه دين سهل و دين مرن يقبل و يواكب التطور ولكن رجال الدين المتزمتين من كل الملل يخافون من كل جديد و حصروا الاسلام في العقد الجنسية و قيم اجتماعية باليهة وهناك اقلية من المسلمين المتحررين الذين فهموا كنه الاسلام و صرحوا بشجاعة عن ارائهم و لو ان اصواتهم خافتة و مكبوتة و يحاربون بشراسه من المتشددين و منهم الاستاذ جمال البنا ومحمد على المحمود و اياد جمال الدين ولو عدنا الى الوراء هناك الكثير من المنادين بالتحديث و مواكبة الركب الحضاري من جمال الدين الافغاني و الكواكبي و شكيب ارسلان و محمد عبده وغيرهم من قبل اكثر من قرن ولكن يبدو اننا لا نتحرك.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال